كتاب رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب

مشكل، والبرء من كل داء معضل1، وإن في حراستهما من الباطل على ما تقدم ذكرنا له آية2 لمن نصح نفسه، ودلالة لمن كان الحق قصده.
وفيما ذكرنا دلالة على صحة ما استندوا إلى الاستدلال، وقوة لما عرفوا الحق منه، فإذا كان ذلك على ما وصفنا، فقد علمتم بهت أهل البدع لهم في نسبتهم لهم إلى التقليد، وسوء اختيارهم في المفارقة لهم، والعدول عما كانوا عليه معهم وبالله التوفيق3.
وإذ قد بان بما ذكرناه استقامة طرق استدلالهم وصحة معارفهم فلنذكر الآن ما أجمعوا عليه من الأصول.
__________
1 معضل: يعني شديد. قال ابن منظور: "وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: أعضل بي أهل الكوفة ما يرضون بأمير ولا يرضاهم أمير". قال الأموي في قوله: أعضل بي: هو من العضال، وهو الأمر الشديد الذي لا يقوم به صاحبه". (انظر: لسان العرب 13/479) .
2 ساقطة من (ت) .
3 ذهب البعض إلى أن السلف كانوا في إيمانهم مقلدين، لا يعرفون معاني النصوص وما تدل عليه، وخاصة في باب الأسماء والصفات. وقال بعضهم: إن السلف أعلم، والخلف أحكم، وهو قول باطل فاسد؛ لأن السلف أعلم بكتاب الله وسنة رسوله فهم متبعون لا مبتدعون كالخلف ويكفيهم أنهم أتباع محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، لا يزيدون على ذلك ولا ينقصون، والمبتدعون من الخلف لا يعرفون قدر السلف ومنزلتهم، ولقد رد عليهم ابن تيمية في ذلك. (انظر: الفتوى الحموية الكبرى ص6 الطبعة الثالثة بالمطبعة السلفية بالقاهرة. وكذلك مختصر الصواعق 1/8 لابن القيم، وفتح الباري 13/352 لابن حجر) .
ولقد عرف السابقون علم السلف فشادوا به ودعوا الناس إلى تعلمه، قال الأوزاعي: "العلم ما جاء عن أصحاب محمد، وما لم يجيء عن واحد منهم فليس بعلم"، وورد مثل هذا عن الإمام أحمد وغيره. انظر جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 2/29.
ونقل ابن رجب كلام الأوزاعي السابق، ثم قال: "وفي زماننا يتعين كتابة كلام السلف المقتدى بهم في زمن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم". انظر رسالته فضل علم السلف على الخلف ص13.
ويلحق بعلوم السابقين من سار على طريقتهم من العلماء المتمسكين بالكتاب والسنة السائرين على منهاج النبوة.

الصفحة 116