كتاب رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب

السلام بما تجنه1 صدورهم، وما يغيبون2 به عنه من أخبارهم3، ثم دعاهم عليه السلام إلى معرفة الله عز وجل وإلى طاعته فيما كلف تبليغه إليهم بقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} 4، وعرفهم أمر الله تعالى بإبلاغه ذلك، وما ضمنه5 له من عصمته منهم بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} 6 فعصمه7 الله منهم مع كثرتهم وشدة
__________
1 جن الشيء يجنه جناً ستره، وكل شيء ستر عنك فقد جن عنك، وبه يسمى الجن جناً لاستتارهم واختفائهم. (انظر: لسان العرب 16/244) .
2 في الأصل و (ت) "يعينون" وما أثبته من نسخة ابن تيمية وهو الصواب.
3 كان الوحي ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم فيخبره عما يغيب عنه من أخبار المنافقين، وقد دل على ذلك ما جاء في سورة التوبة. (انظر: تفسير الطبري 10/173) ، كما ثبت في الصحيح والسير قصة كتاب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عنه، وكذلك أخبر عن موت زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، ونعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه. (انظر: الاعتقاد للبيهقي ص151) .
وينبغي أن يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب من عند نفسه، بل علمه به من قبل ربه، وفيما هو مصلحة للدعوة، وتأمل قوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ …} الجن آية: (26- 28) .
4 الآية من سورة النساء، وتمامها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} آية: (59) .
ويتبين من هذه الآية ونظائرها أن الله أوجب في كتابه اتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وهذا يجب التنبيه إليه، حيث إن كثيراً من المسلمين أهملوا هذا الجانب، فتركوا السنة، أو ابتعدوا عنها قليلاً أو كثيراً، بحجة أن الله لم يفرض علينا سوى القرآن، والواقع يخالف ذلك، فالذي فرض القرآن هو الذي أوجب علينا اتباع سنة خير الأنام صلى الله عليه وسلم، ولقد قال الشافعي - رحمه الله - في الرسالة: "وضع الله رسوله من دينه وفرضه وكتابه الموضع الذي أبان جل ثناؤه أنه جعله علماً لدينه بما افترض من طاعته، وحرم من معصيته، وأبان من فضيلته بما قرن من الإيمان برسوله مع الإيمان به". (انظر: الرسالة ص73 من الطبعة الأولى 1358هـ) .
وقال الشوكاني عقب ذكره للآيات الآمرة باتباع النبي صلى الله عليه وسلم: "ويستفاد من جميع ما ذكره أن ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى عنه كان الأخذ به واتباعه واجباً بأمر الله سبحانه، وكانت الطاعة لرسول الله في ذلك طاعة لله، وكان الأمر من رسول الله أمراً من الله". (انظر: شرح الصدور بتحريم رفع القبور ص11) .
5 في الأصل، و (ت) "لهم". وأثبته من نسخة ابن تيمية وهو الصواب.
6 المائدة آية: (67) .
وهذه الآية تفيد إفادة قطعية أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغ الإبلاغ المبين، وجاهد في سبيل ذلك حتى أتاه اليقين.
وقد أخرج البخاري في تفسيره لهذه الآية قول عائشة - رضي الله عنها - "من حدثك أن محمداً كتم شيئاً مما أنزل عليه فقد كذب، الله يقول: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} (انظر: تفسير المائدة 5/188، وسورة النجم 6/250، وكتاب التوحيد باب 46 ج8/210، ومسلم كتاب الإيمان باب 77ج1/159، والترمذي كتاب التفسير باب 7 ج5/262) .
وفي هذه الآية أيضاً رد على الباطنية والروافض وغلاة المتصوفة الذين يقولون بالظاهر والباطن.
ولقد تعرض لهم رشيد رضا في تفسيره للآية فقال: "… فأما الباطنية فأئمتهم في مذاهبهم زنادقة..، وأما المتصوفة فقد راج على بعضهم بعض الشبهات والتأويلات لضعفهم في علم الكتاب والسنة، ثم قال: والحق الذي لا مرية فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ جميع ما أنزل إليه من القرآن وبينه، ولم يخص أحداً بشيء من علم الدين، وأنه لا يمتاز أحد في علم الدين على أحد إلا بفهم القرآن…" (انظر تفسيره: 6/463- 474) .
7 في الأصل: "فعصمة" بالتاء، وما أثبته من (ت) ونسخة ابن تيمية.

الصفحة 99