كتاب المسند المصنف المعلل (اسم الجزء: 22)

فأتينا فقيل لنا: إن الأنصار قد اجتمعت في بني ساعدة مع سعد بن عبادة، يبايعونه, فقمت، وقام أَبو بكر، وأَبو عُبَيدة بن الجَراح، نحوهم فزعين، أن يحدثوا في الإسلام فتقا, فلقينا رجلان من الأنصار، رجلا صدق: عويم بن ساعدة، ومعن بن عَدي, فقالا: أين تريدون؟ فقلنا: قومكم لما بلغنا من أمرهم, فقالا: ارجعوا فإنكم لن تخالفوا, ولن يؤت شيء تكرهونه, فأبينا إلا أن نمضي, وأنا أزور كلاما أريد أن أتكلم به, حتى انتهينا إلى القوم، وإذا هم عكر هنالك على سعد بن عبادة، وهو على سرير له مريض, فلما غشيناهم تكلموا، فقالوا: يا معشر قريش, منا أمير ومنكم أمير, فقام الحباب بن المنذر، فقال: أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب, إن شئتم والله رددناها جذعة، فقال أَبو بكر: على رسلكم, فذهبت لأتكلم، فقال: أنصت يا عمر, فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا معشر الأنصار, إنا والله ما ننكر فضلكم، ولا بلاءكم في الإسلام، ولا حقكم الواجب علينا,

⦗٣٢٠⦘
ولكنكم قد عرفتم أن هذا الحي من قريش بمنزلة من العرب، ليس بها غيرهم، وأن العرب لن تجتمع إلا على رجل منهم, فنحن الأمراء، وأنتم الوزراء, فاتقوا الله، ولا تصدعوا الإسلام, ولا تكونوا أول من أحدث في الإسلام, ألا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، لي ولأبي عُبَيدة بن الجَراح, فأيهما ما بايعتم فهو لكم ثقة، قال: فوالله، ما بقي شيء كنت أحب أن أقوله إلا وقد قاله يومئذ، غير هذه الكلمة, فوالله لأن أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، في غير معصية، أحب إلي من أن أكون أميرا على قوم فيهم أَبو بكر، قال: ثم قلت: يا معشر الأنصار, يا معشر المسلمين, إن أولى الناس بأمر رسول الله صَلى الله عَليه وسَلم من بعده: {ثاني اثنين إذ هما في الغار} أَبو بكر السباق المتين، ثم أخذت بيده، وبادرني رجل من الأنصار، فضرب على يده قبل أن أضرب على يده، ثم ضربت على يده، وتتابع الناس, وميل على سعد بن عبادة، فقال الناس: قتل سعد, فقلت: اقتلوه قتله الله، ثم انصرفنا، وقد جمع الله أمر المسلمين بأَبي بكر، فكانت لعمر الله فلتة كما قلتم, أعطى الله خيرها، ووقى شرها, فمن دعا إلى مثلها، فهو الذي لا بيعة له، ولا لمن بايعه (¬١).
---------------
(¬١) اللفظ لابن أبي شيبة (٣٨١٩٨).

الصفحة 319