كتاب فتاوى نور على الدرب لابن باز بعناية الشويعر (اسم الجزء: 22)
وقوع الطلاق، في حال الحيض والنفاس، وفي الطهر الذي جامع فيه، فهو يضر الزوج، ويضر المرأة في الغالب، فكان من محاسن الإسلام، ومن رحمة الله عزّ وجل، القول بأنه لا يقع، قال من لم يوقعه: ومما يؤيد ذلك أن الإنسان في حال كون امرأته حائضًا أو نفساء، يسهل عليه الطلاق؛ لأنها لا تصلح للجماع، وممنوع من جماعها فيسهل عليه الطلاق، وهكذا إذا كان قد قضى وطره وجامعها، يسهل عليه الطلاق، فمن رحمة الله أن منعه من ذلك؛ وحرم عليه ذلك، فمتى أقدم على التحريم، لم يقع منه ذلك؛ لكونه خلاف أمر الله، وهذا السائل طلق الأولى وهي حامل، فالطلاق واقع؛ لأن طلاق الحامل أمر مشروع، أما الطلاق الثاني إذا كان في الحيض باتفاقهما واعترافهما جميعًا، فإنه لا يقع على الصحيح، إلا أن يحكم حاكم بذلك، فإن حكم حاكم بالوقوع وقع؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف، فإذا حكم حاكم ممن يرى أنه يقع الطلاق كما هو قول الجمهور، فحكم عليه بوقوع الطلاق، فإنه يرتفع الخلاف، ويقع الطلاق، وينفذ، وليس للمفتي أن ينقض ذلك؛ لأن المسألة خلافية يسوغ فيها الاجتهاد، أما كونه مختل الشعور فهذا يحتاج إلى أن يستفتي قاضي بلده، إذا وقع منه شيء، حتى ينظر في
الأمر، وحتى يطالبه بالبينة الدالّة على ما قاله، فليس كل من ادّعى شيئًا يسلم له، يقول المصطفى عليه الصلاة والسلام: «لو يعطى الناس بدعواهم لادّعى أناس دماء رجال وأموالهم، ولكن البينة على المدعي» (¬1) فالذي يدعي أنه طلق في حال زوال عقله، يطالب بالبينة على ما قال، وإذا ثبت ذلك لم يقع الطلاق، وإذا أقرت الزوجة بأنه وقع منه في حالٍ غير شعورية، كالسكران الذي طلق في حال غيبوبة عقله، بتعاطيه ما حرم الله، فالصحيح أنه لا يقع كالمجنون، ولو كان آثما، فإن الآثم عليه التوبة إلى الله، وعلى ولي الأمر أن يقيم عليه الحدّ، إذا رفع إلى ولي الأمر، وليس من عقوبة السكران إيقاع الطلاق، فالصواب الذي عليه المحققون من أهل العلم، وبه أفْتى الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه، أن طلاق السكران الذي قد فقد عقله لا يقع، حتى ولو كان آثمًا، أمّا غير الآثم، فلا يقع عند الجميع، كالمجنون، فلو أن إنسانًا سقي ما يسكره، ويغير عقله بغير علمه، أو أجبر عليه وأكره عليه، لم يقع طلاقه عند أهل العلم، وإنما الخلاف
¬_________
(¬1) أخرجه مسلم في كتاب الأقضية، باب اليمين على المدعى عليه، بلفظ: **ولكن اليمين على المدعى عليه** برقم (1711).