كتاب معارج القبول بشرح سلم الوصول (اسم الجزء: 3)

وَقَالَ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ" 1.
وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِلَّذِينِ صَامُوا بَعْدَ أَمْرِهِ بِالْإِفْطَارِ "أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ" 2، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ، مَا لَا يُحْصَى، وهذا مثال يد عَلَى مَا بَعْدَهُ.
ثُمَّ الْبِدْعَةُ الْوَاقِعَةُ في العبادة قد تَكُونُ مُبْطِلَةً لِلْعِبَادَةِ الَّتِي تَقَعُ فِيهَا لِمَنْ صَلَّى الرُّبَاعِيَّةَ خَمْسًا، أَوِ الثُّلَاثِيَّةَ أَرْبَعًا، أَوِ الثُّنَائِيَّةَ ثَلَاثًا، وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ.
وَقَدْ تَكُونُ مَعْصِيَةً وَلَا تُبْطِلُ الْعَمَلَ الَّذِي تَقَعُ فِيهِ كَالْوُضُوءِ أَرْبَعًا أَرْبَعًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ فِي الْوُضُوءِ الْمَشْرُوعِ: "فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ" 3 وَلَمْ يَقُلْ: فقد بطل وضوؤه، وَكَذَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا وَلَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ.
وَالْبِدْعَةُ فِي الْمُعَامَلَاتِ: كَاشْتِرَاطِ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: جَاءَتْ بَرِيرَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَتْ: إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ فَأَعِينِينِي، فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَعُدُّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً وَأُعْتِقُكِ فَعَلْتُ وَيَكُونُ وَلَاؤُكِ لِي، فَذَهَبَتْ إِلَى أَهْلِهَا؛ فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَيْهَا. فَقَالَتْ: عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ, فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: "خُذِيهَا فَأَعْتِقِيهَا وَاشْرُطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ
__________
1 البخاري "4/ 183" في الصوم، باب قول النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لمن ظلل عليه واشتد الحر: "ليس من البر الصيام في السفر"، ومسلم "2/ 786/ ح1115" فيه، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية.
2 مسلم "2/ 785/ ح1114" في الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية.
3 أحمد "2/ 180"، وأبو داود "1/ 33/ ح135" في الطهارة، باب صفة وضوء النبي, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والنسائي "1/ 88" فيه، باب الاعتدال في الوضوء، وابن ماجه "1/ 146/ ح422" في الطهارة وسننها, باب ما جاء في القصد في الوضوء وكراهية التعدي فيه. وإسناده حسن.

الصفحة 1235