كتاب معارج القبول بشرح سلم الوصول (اسم الجزء: 2)

مُتَفَرِّقَةٍ, مِنْهَا مَا هُوَ مِنْ قَوْلِ الْقَلْبِ وَعَمَلِهِ, وَمِنْهَا مَا هُوَ مِنْ قَوْلِ اللِّسَانِ, وَمِنْهَا مَا هُوَ مِنْ عَمَلِ الْجَوَارِحِ.
وَلَمَّا كَانَتِ الصَّلَاةُ جَامِعَةً لِقَوْلِ الْقَلْبِ وَعَمَلِهِ وَقَوْلِ اللِّسَانِ وَعَمَلِهِ وَعَمَلِ الْجَوَارِحِ, سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى إِيمَانًا فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [الْبَقَرَةِ: 143] يَعْنِي: صَلَاتَكُمْ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ, وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَذَكَرْنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمَا سَبَقُونَا بِهِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ أَمْرَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ بَيِّنًا لِمَنْ رَآهُ, وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا آمَنَ أَحَدٌ قَطُّ إِيمَانًا أَفْضَلَ مِنْ إِيمَانٍ بِالْغَيْبِ, ثُمَّ قَرَأَ: {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ} إِلَى قَوْلِهِ: {الْمُفْلِحُونَ} [الْبَقَرَةِ: 1-5] 1. وَالْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ يَطُولُ ذِكْرُهَا, وَإِنَّمَا أَشَرْنَا إِلَى طَرَفٍ مِنْهَا يَدُلُّ عَلَى مَا وَرَاءَهُ, وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي قَصَدَهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ بِقَوْلِهِمْ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ الْإِيمَانَ اعْتِقَادٌ وَقَوْلٌ وَعَمَلٌ, وَإِنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ. وَحَكَى الشَّافِعِيُّ عَلَى ذَلِكَ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ أَدْرَكَهُمْ.
وَأَنْكَرَ السَّلَفُ عَلَى مَنْ أَخْرَجَ الْأَعْمَالَ عَنِ الْإِيمَانِ إِنْكَارًا شَدِيدًا, وَمِمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى قَائِلِهِ وَجَعَلَهُ قَوْلًا مُحْدَثًا, مِمَّنْ سُمِّيَ لَنَا: سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ وَقَتَادَةُ وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرُهُمْ2. قَالَ الثَّوْرِيُّ: هُوَ رَأْيٌ مُحْدَثٌ, أَدْرَكْنَا النَّاسَ عَلَى غَيْرِهِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: كَانَ مَنْ مَضَى مِنَ السَّلَفِ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْعَمَلِ وَالْإِيمَانِ. وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الْأَمْصَارِ: أَمَّا بَعْدُ, فَإِنَّ الْإِيمَانَ فَرَائِضُ وَشَرَائِعُ, فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ, وَمَنْ لَمْ
__________
1 رواه سفيان بن عيينة وسعيد بن منصور وأحمد بن منيع في مسنده وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه عن الحارث بن قيس أنه قال لابن مسعود ... الحديث "الدر المنثور 1/ 65". وأخرجه الحاكم "2/ 260" وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وسنده عند سعيد بن منصور سنده "ابن كثير 1/ 43".
2 انظر الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

الصفحة 600