كتاب معارج القبول بشرح سلم الوصول (اسم الجزء: 2)
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ مِنْهُمْ آدَمَ وَنُوحًا وَإِدْرِيسَ وَهُودًا وَصَالِحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَيُوسُفَ وَلُوطًا وَشُعَيْبًا وَيُونُسَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَإِلْيَاسَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ, وَذَكَرَ الْأَسْبَاطَ جُمْلَةً, وَعِيسَى وَمُحَمَّدًا, وَقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَنْبَائِهِمْ وَنَبَّأَنَا مِنْ أَخْبَارِهِمْ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَعِبْرَةٌ وَمَوْعِظَةٌ, إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا ثُمَّ قَالَ: {وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النِّسَاءِ: 162] وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ} [غَافِرٍ: 78] فَنُؤْمِنُ بِجَمِيعِهِمْ تَفْصِيلًا فِيمَا فَصَّلَ, وَإِجْمَالًا فِيمَا أَجْمَلَ.
أَوَّلُهُمْ نُوحٌ بِلَا شَكٍّ كَمَا ... أَنَّ مُحَمَّدًا لَهُمْ قَدْ خَتَمَا
"أَوَّلُهُمْ" يَعْنِي: أَوَّلَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ "نُوحٌ بِلَا شَكٍّ" وَهُوَ نُوحُ بْنُ لَامَكَ بْنِ مَتُّوشَلَخَ بْنِ أَخْنُوخَ بْنِ يَرْدَ بْنِ مَهْلَايِيلَ بْنِ قَايِنَ بْنِ أَنُوشَ بْنِ شِيثِ بْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ1. وَالْمَعْنَى: أَنَّ نُوحًا أَوَّلُ الرُّسُلِ وَالنَّبِيِّينَ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ, قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النِّسَاءِ: 163] لِأَنَّ أُمَّتَهُ أَوَّلُ مَنِ اخْتَلَفَ وَغَيَّرَ وَبَدَّلَ وَكَذَّبَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ} [غَافِرٍ: 5] وَإِلَّا فَآدَمُ قَبْلَهُ كَانَ نَبِيًّا رَسُولًا, وَكَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً عَلَى دِينِهِ وَدِينِ وَصِيَّةِ شِيثٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [الْبَقَرَةِ: 213] الْآيَةَ, قَالُوا: كَانَ بَيْنَ نُوحٍ وَآدَمَ عَشَرَةُ قُرُونٍ كُلُّهُمْ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْحَقِّ, فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ2 "كَمَا أَنَّ مُحَمَّدًا" صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لَهُمْ" أَيْ لِلرُّسُلِ "قَدْ خَتَمَا" فَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ
__________
1 الله أعلم بصحة هذا, فلا نقل له من طريق صحيح يعتد بها.
2 أخرجه البزار "كشف الأستار 3/ 41" وابن جرير "2/ 334" والحاكم في المستدرك "2/ 442" وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم "الدر المنثور 1/ 582" وقد تقدم.
الصفحة 678