كتاب معارج القبول بشرح سلم الوصول (اسم الجزء: 2)

وَمِنْهَا ذِكْرُ الْعَبْدِ الْمَوْتَ وَجَعْلُهُ عَلَى بَالِهِ كَمَا هُوَ الرَّدْمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آمَالِهِ, وَهُوَ الْمُفْضِي بِهِ إِلَى أَعْمَالِهِ وَإِلَى الْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَإِلَى الْجَزَاءِ الْأَوْفَى مِنَ الْحُكْمِ الْعَدْلِ فِي شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ وَقَضَائِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ فَلَا يُعَاقِبُ أَحَدًا بِذَنْبِ غَيْرِهِ وَلَا يَهْضِمُهُ ذَرَّةً مِنْ حُسْنِ أَعْمَالِهِ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ" 1 الْمَوْتَ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ مِنْ صَحِيحِهِ: بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ" حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الْمُنْذِرِ الطُّفَاوِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْكِبِي فَقَالَ: "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ" وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ, وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ, وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ2 ثُمَّ قَالَ: بَابٌ فِي الْأَمَلِ وَطُولِهِ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آلِ عِمْرَانَ: 185] بِمُزَحْزِحِهِ: بِمُبَاعِدِهِ, وَقَالَ تَعَالَى: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الْحِجْرِ: 3] وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً وَارْتَحَلَتِ الْآخِرَةُ مُقْبِلَةً, وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ. فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا, فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ, وَغَدًا
__________
1 رواه الترمذي "4/ 553/ ح2307" في الزهد، باب ما جاء في ذكر الموت، والنسائي "4/ 4" في الجنائز، باب كثرة ذكر الموت, وابن ماجه "2/ 1422/ ح4258" في الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له, وابن حبان "4/ 282 و283" والحاكم "4/ 321" والخطيب في تاريخ بغداد "1/ 384 و9/ 470" وسنده صحيح وله شاهد من حديث أنس رضي الله عنه أخرجه أبو نعيم في الحلية "9/ 252" والخطيب "12/ 72، 73" وسنده على شرط مسلم.
2 رواه البخاري "11/ 233" في الرقاق، باب قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كن في الدنيا كأنك غريب".

الصفحة 707