كتاب معارج القبول بشرح سلم الوصول (اسم الجزء: 2)
الْأُولَى} [الدُّخَانِ: 56] . وقد وَرَدَتْ فِيهِمُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ أَنَّ أَرْوَاحَهُمْ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ فِي حَوَاصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ, كَمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يُعَلَّقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ" 1، وَفِيهِمُ الشُّهَدَاءُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} [الْبَقَرَةِ: 154] يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَصْحَابِهِ: {وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} فَهَلْ شَعَرْتُمْ بِذَلِكَ يَا مُعَاشِرَ الزَّنَادِقَةِ دُونَهُمْ؟ وَيَقُولُ تَعَالَى فِيهِمْ: {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آلِ عِمْرَانَ: 169] الْآيَاتِ, وَذَلِكَ بِخِلَافِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَإِنَّهُمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [غَافِرٍ: 11] وَالْمَوْتَةُ الثَّانِيَةُ عَلَى أَحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ هِيَ مَوْتَتُهُمْ بَعْدَ فِتْنَةِ الْقَبْرِ, وَتَفْسِيرُ الْجُمْهُورِ لَا يُنَافِي ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ حَمَلُوا الْمَوْتَةَ الْأُولَى عَلَى الْعَدَمِ الَّذِي قَبْلَ وُجُودِهِمْ, وَالثَّانِيَةَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَعُدُّوا نَوْمَتَهُمْ بَعْدَ الْفِتْنَةِ فِي الْقَبْرِ مَوْتَةً مُسْتَقِلَّةً؛ لِأَنَّ حَالَ الْبَرْزَخِ مِنَ الْمَوْتَةِ الثَّانِيَةِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ دَارِ الدُّنْيَا وَلَا دَارِ الْآخِرَةِ بَلْ هُوَ حَاجِزٌ بينهما, والتفسير الأول مَحْمُولٍ عَلَى مَوْتَتَيْنِ بَعْدَ الْوُجُودِ خَلَا حَالَةِ الْعَدَمِ الْمَحْضِ قَبْلَ إِيجَادِهِمْ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِذَا وُضِعَ -يَعْنِي الْكَافِرَ- فِي قَبْرِهِ فَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ قَالَ: فَيَقُولُ: رَبِّ ارْجِعُونِ أَتُوبُ وَأَعْمَلُ صَالِحًا قَالَ: فَيُقَالُ: قَدْ عُمِّرْتَ مَا كُنْتَ مُعَمَّرًا قَالَ: فَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ وَيَلْتَئِمُ فَهُوَ كَالْمَنْهُوشِ يَنَامُ وَيَفْزَعُ تَهْوِي إِلَيْهِ هَوَامُّ الْأَرْضِ وَحَيَّاتُهَا وَعَقَارِبُهَا2.
__________
1 رواه أحمد "3/ 455 و456" ومالك في الموطأ "1/ 240" في الجنائز، باب جامع الجنائز، والنسائي "4/ 108" فيه، باب أرواح المؤمنين, وابن ماجه "2/ 1428/ ح4271" في الزهد، باب ذكر القبر والبلى, وأبو نعيم في الحلية "9/ 156" وهو حديث صحيح.
2 تقدم ذكره, وقد نقله بسنده ابن كثير في تفسيره "3/ 266".
الصفحة 715