كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح (اسم الجزء: 26)

وفي "علل ابن أبي حاتم" من حديث عبد الله بن السائب بن خباب، عن أبيه، عن جده: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأكل قديدًا متكئًا. ثم قال عن أبيه: هذا حديث باطل (¬1).
إذا تقرر ذَلِكَ: فإنما فعل الشارع ذَلِكَ؛ تواضعًا لله وتذللًا له، وقد بين هذا الحديث السالف، وبينه أيوب في حديثه عن الزهري أنه - عليه السلام - أتاه ملك لم يأته قبل تلك المرة ولا بعدها فقال: إن ربك يخيرك بين أن تكون عبدًا نبيًّا أو ملكًا نبيًّا. فنظر إلى جبريل كالمستشير فأومأ إليه أن (تواضع) (¬2)، فقال: "بل عبدًا نبيًّا" فما أكل متكئًا (¬3).
وقال مجاهد: لم يأكل النبي - صلى الله عليه وسلم - متكئًا قط إلا مرة ففزع فجلس فقال: "اللهم إنى عبدك ورسولك". ومن أكل متكئًا فلم يأتِ حرامًا، وإنما يكره ذَلِكَ؛ لأنه خلاف التواضع الذي اختاره الله لأنبيائه، وصفوته من خلقه، وقد أجاز ابن سيرين والزهري الأكل متكئًا (¬4).
وقال ابن التين: قيل: كره؛ لأنه فعل المكثرين. وقيل: لأنه فعل مكثر أكله فنصب الموائد ويكثر الألوان، كأنه - عليه السلام - قال: أنا لا أفعل ذَلِكَ، لكني آكل العُلقة وأجتزئ باليسير، فأقعد له مستوفرًا وأقوم عنه مستعجلًا. وصرح ابن حزم بكراهة الأكل متكئًا فقال: نكرهه متكئًا، ولا نكرهه منبطحًا على البطن، وليس شيء من ذَلِكَ حرامًا؛ لأنه لم يأتِ نهي عن شيء من ذلك، وما لم يتصل بنا تحريمه فهو حلال،
¬__________
(¬1) "علل ابن أبي حاتم" 2/ 18 - 19.
(¬2) في الأصل: (تراجع)، والمثبت من مصادر التخريج.
(¬3) ذكره ابن بطال في "شرحه" 9/ 474 ورواه النسائي في "الكبرى" 4/ 171، والبيهقي 7/ 49 من طريق الزبيدي عن الزهري به.
(¬4) انظر: "شرح ابن بطال" 9/ 474 - 475.

الصفحة 148