كتاب هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى

(فَصْلٌ) : وَإِنْ كَانَ الْمُعَيِّرُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ أُمَّةِ الضَّلَالِ وَعُبَّادِ الصَّلِيبِ وَالصُّوَرِ الْمَدْهُونَةِ فِي الْحِيطَانِ وَالسُّقُوفِ فَيُقَالُ لَهُ: أَلَا يَسْتَحِي مَنْ أَصْلُ دِينِهِ الَّذِي يَدِينُ بِهِ وَيَعْتَقِدُهُ: أَنَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَزَلَ عَنْ كُرْسِيِّ عَظْمَتِهِ وَعَرْشِهِ وَدَخَلَ فِي فَرْجِ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ وَتَبُولُ وَتَتَغَوَّطُ فَالْتَحَمَ بِبَطْنِهَا، وَأَقَامَ هُنَاكَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ يَتَلَبَّطُ بَيْنَ نَجْوٍ وَبَوْلٍ وَدَمِ طَمْثٍ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْقِمَاطِ وَالسَّرِيرِ كُلَّمَا بَكَى أَلْقَمَتْهُ أُمُّهُ ثَدْيَهَا، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الْمَكْتَبِ بَيْنَ الصِّبْيَانِ، ثُمَّ آلَ أَمْرُهُ إِلَى لَطْمِ الْيَهُودِ خَدَّيْهِ، وَصَفْعِهِمْ قَفَاهُ، وَبَصْقِهِمْ فِي وَجْهِهِ، وَوَضْعِهِمْ تَاجًا مِنَ الشَّوْكِ عَلَى رَأْسِهِ، وَالْقَصَبَةِ فِي يَدِهِ اسْتِخْفَافًا بِهِ وَانْتِهَاكًا لِحُرْمَتِهِ، ثُمَّ قَرَّبُوهُ مِنْ مَرْكَبٍ خُصَّ بِالْبَلَاءِ، فَشَدُّوهُ عَلَيْهِ وَرَبَطُوهُ بِالْحِبَالِ، وَسَمَّرُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَصِيحُ وَيَبْكِي وَيَسْتَغِيثُ مِنْ حَرِّ الْحَدِيدِ وَأَلَمِ الصَّلِيبِ.
هَذَا وَهُوَ بِزَعْمِهِمُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَقَسَّمَ الْأَرْزَاقَ وَالْآجَالَ، وَلَكِنِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ وَرَحِمْتُهُ أَنْ مَكَّنَ أَعْدَاءَهُ مِنْ نَفْسِهِ لِيَنَالُوا مِنْهُ مَا نَالُوا فَيَسْتَحِقُّوا بِذَلِكَ الْعَذَابَ وَالسِّجْنَ فِي الْجَحِيمِ، وَيَفْدِي أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ، فَيُخْرِجُهُمْ مِنْ سِجْنِ إِبْلِيسَ، فَإِنَّ رُوحَ آدَمَ وَإِبْرَاهِيمَ وَنُوحٍ وَسَائِرِ النَّبِيِّينَ عِنْدَهُمْ كَانَتْ فِي سِجْنِ إِبْلِيسَ فِي النَّارِ حَتَّى خَلَّصَهَا مِنْ سِجْنِهِ بِتَمْكِينِ أَعْدَائِهِ مِنْ صَلْبِهِ.

الصفحة 480

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text