فإذا رجعنا إلى تفسير الشافعي للشاذ، وما ذكرناه فيه، فإن الذي لا محيد لنا من التسليم به حتى الآن، على أقل تقدير، أن نقول مثل الخليلي: إن للشاذ اصطلاحين معتبرين، أحدهما: للشافعي وأهل الحجاز، والآخرة: لغيرهم من حفاظ الحديث.
وهذا يشبه (لا كل الشبه) ما خرج به ابن الصلاح في نوع (الشاذ) ، حيث قال: ((فخرج من ذلك، أن الشاذ المردود قسمان، أحدهما: الحديث الفرد المخالف. والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف)) (¬1) .
لكن ظهرت المشاحة في الاصطلاح عند ابن الصلاح، وظهرت بوادر الميل إلى نصرة اقوال إمامه الشافعي، عندما اعترض على تعريفي الحاكم والخليلي للشاذ: بالأفراد الصحاح (¬2) !! حتى عبر الحافظ العراقي عن هذا الاعتراض في (ألفيته) وشرحها: (التبصرة والتذكرة) ، بأنه رد من ابن الصلاح لتعريفي الحاكم والخليلي (¬3) !!!
ثم ازداد الميل إلى نصرة قول الإمام إلى درجةٍ أبعد، عند الحافظ ابن حجر، عندما أدخل في باب الاصطلاح الترجيح بين الاصطلاحات (¬4) ، مع أنه لا مدخل للترجيح في الاصطلاح، لأن الترجيح مشاحة فيما لا تحق فيه المشاحة!!
بل جزم الحافظ بمعنى واحد من معاني الشذوذ في
¬_________
(¬1) علوم الحديث لابن الصلاح (79) .
(¬2) علوم الحديث لابن الصلاح (77- 79) .
(¬3) التبصرة والتذكرة للعراقي (1/192- 194) .
(¬4) النكت على ابن الصلاح لابن حجر (2/671) ، وفتح المغيث للسخاوي (1/ 234) .