كتاب المسجد النبوي عبر التاريخ

الفصل الثاني المسجد في عهد المهدي
كانت عمارة الوليد بن عبد الملك للمسجد النبوى هى العمارة الوحيدة في العصر الأموى فلما تولى العباسيون أمر البلاد، وآلت الخلافة إليهم، هَمَّ أبو جعفر المنصور بتوسعة المسجد وشاور فيه، وكان بعض الناس قد زين له أن يوسع المسجد من ناحيته الشرقية، فكتل إليه الحسن بن زيد يصف له تلك الناحية، ويرغبه في توسعة المسجد من جهتها، ولكن أبا جعفر قد فطن إلى ما أراد الحسن من ازالة بيت عثمان بن عفان رضى الله عنه بحجة التوسعة فأجاب أبو جعفر الحسن بن زيد فقال: قد عرفت الذى أردت، فاكفف عن ذكر دار الشيخ عثمان بن عفان رضى الله عنه.
... ولا شك أن هذا الموقف ما يحمد لا [ى جعفر، فقد عرف العباسيون بتتبع آثار الأمويين وإزالتها والقضاء عليها حتى لا تذكر الناس بهم، وتبعث في نفوسهم الحنين الى عهدهم، مع ذلك فقد نهى أبو جعفر الحسن بن زيد عن إغرائه بإزالة بيت أمير المؤمنين عثمان بن عفان.
... وتعطينا هذه القصة صورة عن خلق انطبع عليه فريق من الناس لم يخل منه عصر من العصور، وهو خلق النفاق، وحب التقرب إلى الأمراء وأولى الأمر. فالحسن بن زيد لم يرد من وراء إغراء الخليفة بتوسعة المسجد من جهته الشرقية إلا إزالة بيت عثمان رضى الله عنه ظانا أن ذلك مما يقربه إلى الخليفة ويدنيه منه، فكانت وقفة الخليفة الرائعة التى أسكتته وخذلته.
... وتوفى أبو جعفر المنصور ولم يزد في المسجد النبوى شيئا (1)، فلما تولى ابنه المهدى الخلافة، وحج سنة ستين ومائة زار المدينة المنورة، ورأى ما عليه المسجد الشريف، أمر بالزيادة فيه، وولى على البناء عبد الله بن عاصم بن عمر بن عبد
__________
(1) وفاء الوفا جـ2 ص 536.

الصفحة 131