كتاب المسجد النبوي عبر التاريخ

وذكر السمهودى ما يدل على أفضلية الصلاة عند هذه الاسطوانة حيث يقول: قال عيسى وحدثنى سعيد بن عبد الله بن فضيل قال: (مر محمد بن الحنفية، وأنا أصلي إليها - أي إلى اسطوانة التهجد - فقال لي: أراك تلزم هذه الاسطوانة، هل جاءك فيها أثر؟ قلت: لا، قال: فالزمها فإنها كانت مصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الليل) (3).
... تلك هى الأساطين الثمانى التى أرخ لها المؤرخون وكتبوا في فضلها، وبينوا مزاياها وكلها موجودة فلا الروضة الشريفة، ومكتوب عليها أسماؤها.
... ولا يمنع ذلك أن يكون لبقية سوارى المسجد فضل، فقد روى أن كبار الصحابة - رضى الله عنهم - كانوا يبتدرون السوارى، ويصلى كل منهم عند اسطوانة من أساطين المسجد روى البخارى - رحمه الله - عن أنس قال: لقد رأيت كبار
أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - يبتدرون السوارى عند المغرب قال: وزاد شعبة عن عمرو عن أنس: حتى يخرج النبى - صلى الله عليه وسلم -) (1).
... ولهذه قال ابن النجار: (فعلى هذا جميع سوارى مسجد النبى - صلى الله عليه وسلم - يستحب الصلاة عندها لأنه لا يخلو أن كبار الصحابة صلوا إليها) (2).
... هذا هو المسجد في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صورته البريئة الخالية من الزخرفة والنقوش: بناؤه من لبن ن وسقفه من جريد، وسواريه من جذوع النخل، ومنبره من خشب الطرفاء.
... ومن هذا نفهم أن المسجد كان في عهده - صلى الله عليه وسلم - بسيطا متواضعا تتمثل فيه الفطرة السليمة بأجمل مظاهرها، الأساس من حجارة السوداء، والجدر من الطين، والسوارى من النخيل، والسقف من الجريد والخصف، بساطة تملأ الروح رهبة، وتواضع يضفى على النفس مهابة وإجلالا.
... وفى هذا المكان المتواضع البسيط كانت أخبار السماء تهبط على الأرض،
__________
(3) وفاء الوفا الجزء الثاني ص 451 تحقيق محيى الدين عبد الحميد.
== ذكرنا أن الاسطوانات موجودة بالروضة، ونشير هنا إلى أن اسطوانة مربعة القبر موجودة داخل المقصورة
واسطوانة التهجد خلف بيت السيدة فاطمة مقابل دكة الأغواث اليوم.
(1) فتح البارى الجزء الأول ص 577 المطبعة السلفية.
(2) أخبار مدينة الرسول ص 93 دار الفكر - بيروت.

الصفحة 57