فتملؤها نورا ظلالها الدامس البهيم، وفى هذا المكان المتواضع البسيط كانت آيات الله تتلى على قلب رسوله المتواضع العظيم.
... وفى هذا المسجد المتواضع تواضع العظماء القادرين، البسيط بساطة القلوب المؤمنة الخالية من الحقد والكراهية والتعقيد كان التشريع السماوى ينزل على أهل الأرض فيحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم.
... ومن هذا المكان تواضع البسيط شع نور الإيمان ينقذ الحيارى التائهين، ويهدى الزائغين الضالين، ومن هذا المكان المتواضع البسيط بزغت شمس الحضارة التى نعمت بها الدنيا، ورفلت في ظلها الانسانية ردحا من السنين، ومن هذا المكان المتواضع تواضع المؤمنين المخبتين، البسيط بساطة الفطرة السوية لم تخالطها شوائب المادية ولا أوهام المادين، زحفت جحافل الحق تدك حصون الباطل وتهدى للإنسان خلاصة من الخرافات وتقدم له عقيدة سليمة يحيا سليمة يحيا في ظلها هادئ البال، راضى النفس، مطمئن القلب، حتى يلقى بقلب سليم.
... تلك هى إيحاءات هذا المسجد المتواضع البسيط تتأملها النفوس فتعيش في هذا الجو الربانى العجيب، وتتمعنها القلوب فتحيا بها سعيدة راضية مرضية، فهل تستطيع تلك المساجد المشيدة، والأبنية المزخرفة أن تحقق للنفوس هذا الجو، وتضمن للقلوب تلك السعادة؟ اغلب الظن ان ذلك خارج عن إرادتها، وعبء فوق طاقتها.
... ولست أدعى أن مساجدنا اليوم عاجزة عن تحقيق ما حققه المسجد الأول، ولا أزعم أن تشييد المساجد وزخرفتها هو وحده السبب في تضييع ذلك التراث العظيم، ولكنى أقول: إن مساجدنا مع أبهتها لم تحقق ما حققه المسجد الأول ببساطته، ذلك لأنها فقدت الموجهين المخلصين، وافتقرت إلى الرواد المخبتين الطائعين.