فكيف إذن نرد هذين الإشكالين؟
... أقول: أما كون عمر - رضى الله عنه - زاد في المسجد ووسعه من جهتيه الجنوبية والشمالية دون أن يدخل شيئا من حجرات أمهات المؤمنين الموجودة في هاتين الجهتين، فإن السمهودى قد تنبه لهذا الأمر ولكنه تناوله من الجهة الشمالية فقط.
... وأجاب عن ذلك بجواب لم ارتضه حيث يقول: (وبقى أمر آخر لم أجد من نبه عليه، وهو أن حجرات أزواج النبى - صلى الله عليه وسلم - كان بعضها في جهة الشام -الشمال- كما تقدم، ومقتضى ما قدمناه من رواية ابن سعد - وهو ظاهر ما سيأتى في زيادة الوليد أن عمر -رضى الله عنه - لم يدخل منها شيئا في المسجد، وإنما ادخلها الوليد، فكأن عمر ترك ما كان منها في جهة الشام قائما على حاله، وصار المسجد حواليها) (1).
... وهذا هو الجواب الذى لم أرض به، ذلك لأنه من غير المعقول أن يزيد عمر في المسجد زيادة تدخل بعض الحجرات في المسجد بحيث يشملها سور المسجد وتبقى الحجرات قائمة على حالها تسكنها أمهات المؤمنين، ويقتضى فيها حاجاتهن الى غير ذلك، ولو صح ذلك لرواه لنا لو واحد من المؤرخين الذين اهتموا بالتاريخ للمسجد الشريف وحيث لم يرو احد ذلك، فإن الجواب يكون مردودا عقلا ونقلا، وانما اضطر السمهودى إلى هذا الجواب قوله بالزيادة الضخمة التى قال بها في شمال المسجد والبالغة خمسة عشر مترا بعرض المسجد.
... والجواب الذى أعتقد أنه قريب من الصواب إن لم يكن هو عين الصواب، والذى يدل عليه كلام بعض الرواة أن الحجرات كانت مستطيرة حول المسجد ما عدا الغرب ولم يكن منها ملاصق للمسجد إلا ما كان من جهة الشرق حيث جعلها الرسول - صلى الله عليه وسلم - حدا للمسجد من جهة الشرق لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (ما بين بيتى ومنبرى روضة من رياض الجنة) (2).
... وأما التى كانت في الجنوب والشمال فالمفهوم أنها لم تكن ملاصقة للمسجد بل كانت تبعد عنه قليلا، وأدلتنا على ذلك ما يأتى:-
قول الأستاذ على حافظ: (كان بين بيت السيدة عائشة الذي يقع شرقى المسجد)
وبين بيت السيدة حفصة (الذى يقع في الجنوب طريق يفصل بينهما) (3).
__________
(1) وفاء الوفا الجزء الثاني ص 494 تحقيق محيى الدين عبد الحميد.
(2) مختصر صحيح مسلم الجزء الأول ص205.
(3) فصول من تاريخ المدينة المنورة ص 101 شركة المدينة للطباعة.