ومن الأشياء التى كرهها عمر في المسجد إنشاد الشعر، فقد أنكر على حسان بن ثابت وهو ينشد شعرا في المسجد، وشدد الوعيد بطلحة رضى الله عنه عندما بلغه أنه تلاحى هو وعثمان بن عفان في المسجد.
... كل ذلك يدل على أن مقصود عمر رضى الله عنه هو تنزيه المسجد عما ينقص من قدره ويجعل الناس يستهينون به.
... واعترض كثير من العلماء على منع عمر إنشاد الشعر في المسجد، واحتجوا بأن كعب بن زهير رضى الله عنه دخل على الرسول المسجد وأنشده قصيدته المشهورة:
بانت سعاد فقلبى اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول (1)
... وبأن حسان بن ثابت رضى الله عنه كان ينشد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الشعر في المسجد وكان رسول الله يقول له: الهم أيده بروح القدس (2).
... وأجاب مؤيد وعمر رضى الله عنه بما ذكره الحافظ بن حجر قال: (نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن تناشد الأشعار في المسجد) (3).
... وتولى ابن حجر رحمه الله التوفيق بين الروايات المجيزة والروايات المانعة فقال: (فالجمع بينهما وبين حديث الباب أن يحمل النهى عن تناشد أشعار الجاهلية والمبطلين والمأذون فيه ما سلم من ذلك، ثم نقل رأيا آخر للجمع بين الأحاديث فقال وقيل: المنهى عنه ما إذا كان التناشد غالبا على المسجد حتى يتشاغل به من فيه) (4).
ومن أجل هذا سكت عمر عندما قال له حسان: (قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك) (5).
... ولو كان المراد النهى عن إنشاد الشعر مطلقا لما سكت عمر، بل ولأسكت حسانا وأخرجه من المسجد.
__________
(1) المصدر السابق ص 500.
(2) فتح البارى الجزء الأول ص 548.
(3) المصدر السابق ص 449.
(4) المصدر والصفحة السابقان.
(5) المصدر والصفحة السابقان.