كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح (اسم الجزء: 29)

الثالث:
التوبة: فرض من الله على كل من علم من نفسه ذنبًا صغيرًا أوكبيرًا؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} [التحريم: 8]، وقال: {وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31]، وقال تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ على اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} [النساء: 17] فكل مذنب فهو عند مواقعة الذنب جاهل، وإن كان عالمًا، ومن تاب قبل الموت تاب من قريب.
وقال - عليه السلام -: "الندم توبة" (¬1)، وقال: "إن العبد ليذنب الذنب فيدخل به الجنة" قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: "يكون بين عينيه تائبًا منه فارًّا حتى يدخل الجنة" (¬2).
وقال سفيان بن عيينة: التوبة نعمة من الله تعالى أنعم بها على هذِه الأمة دون غيرهم من الأمم، وكانت توبة بني إسرائيل القتل.
وقال الزهري: لما قيل لهم: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54] قاموا صفين، وقتل بعضهم بعضًا حتى قيل لهم: كفوا فكانت لهم شهادة للمقتول وتوبة للحي، وإنما رفع الله عنهم القتل
¬__________
(¬1) رواه ابن ماجه (4252)، وأحمد 1/ 376 (3568)، والبزار 5/ 310 (1926)، والطبراني في "الأوسط" 7/ 44 (6799)، والحاكم 4/ 243 (7612) (7613)، والبيهقي في "الشعب" 5/ 386 (7029)، وفي "السنن الكبرى" 10/ 154 (20558) من طريق سفيان بن عيينة، عن عبد الكريم الجزري، عن زياد بن أبي مريم، عن عبد الله بن معقل، عن ابن مسعود مرفوعًا، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذِه اللفظة، وصححه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه" (3429).
(¬2) رواه ابن المبارك في "الزهد" ص (52) (162) عن ابن فضالة عن الحسن مرسلاً، وضعفه الألباني في "ضعيف الجامع" (1503).

الصفحة 199