كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح (اسم الجزء: 29)

وقد أشار - عليه السلام - إلى هذا المعنى بقوله: "والصلاة بالليل والناس نيام" (¬1). فلذلك نبه (- عليه السلام -) (¬2) على الدعاء في هذا الوقت الذي تخلو فيه النفس من خواطر الدنيا وعلقها؛ ليستشعر العبد الجد والإخلاص لربه، فتقع الإجابة منه؛ رفقًا من الله بخلقه رحمة له، فله الحمد والشكر دائمًا كثيراً على إلهام ذلك لمصالحهم ومنافعهم.
فصل:
إن قلت: كيف ترجم الدعاء نصف الليل وذكر الحديث أن التنزل في ثلث الليل الآخر؟ قيل: إنما أخذ ذلك من قوله تعالى: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3)} [المزمل: 2، 3] فالترجمة تقوم من دليل القرآن، والحديث يدل على أن وقت الإجابة ثلث الليل إلا أن ذكر النصف في كتاب الله يدل على تأكيد المحافظة على وقت التنزل قبل دخوله؛ (ليأتي) (¬3) أول وقت الإجابة، والعبد مرتقب له مستعد للإنابة، فيكون ذلك سببًا للإجابة. وينبغي ألا يمر وقت ليلاً كان أو نهارًا إلا أحدث العبد فيه دعاء وعبادة لله تعالى.
¬__________
= تفرد به صالح المري وهو أحد زهاد البصرة، ولم يخرجاه.
وصححه الألباني في "الصحيحة" (594).
(¬1) رواه الترمذي (3233)، وأحمد 1/ 368 (3484) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن عباس مرفوعاً. ورواه الترمذي أيضًا (3235)، والطبراني في "الكبير" 20/ 141 - 142 من حديث معاذ، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في "صحيح سنن الترمذي" (2582). ورواه الحاكم في "المستدرك" 4/ 129، من حديث أبي هريرة، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(¬2) في (ص2): الله عباده.
(¬3) في الأصل: لباقي.

الصفحة 227