كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح (اسم الجزء: 29)

وكان - عليه السلام - إذا قام إلى الصلاة سمع لجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء (¬1)، وهذِه كانت سيرة الأنبياء والصالحين، كان خوف الله أشرب قلوبهم واستولى عليهم الوجل حتى كأنهم عاينوا الحساب، وعن يزيد الرقاشي قال: يا لهفاه، سبقني العابدون، وقطع بي نوح يبكي على خطيئته، ويزيد لا يبكي على خطيئته، إنما سمي نوحًا لطول ما ناح على نفسه من البكاء (¬2).
وذكر ابن المبارك، عن مجاهد قال: كان طعام يحيى بن زكريا العشب (¬3)، وكان يبكي من خشية الله ما لو كان النار على عينيه لا تحرقه، ولقد كانت الدموع اتخذت في وجهه مجرى.
وقال ابن عباس مرفوعًا: "كان مما ناجى الله موسى أنه لم يتعبد العابدون بمثل البكاء من خيفتي، أما البكاءون من خيفتي فلهم الرفيق لا يشاركون فيه" (¬4).
وعن وهيب بن الورد، أن زكريا قال ليحيى ابنه شيئًا، فقال له: يا أبتِ إن جبريل أخبرني أن بين الجنة والنار مغارة لا يقطعها إلا كل بكاء. وقال الحسن: أوحى الله إلى عيسى أن اكحل عينيك بالبكاء إذا رأيت البطالين يضحكون. وعن وهب بن منبه، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لم يزل أخي داود باكيًا على خطيئته أيام حياته كلها، وكان
¬__________
(¬1) رواه أبو داود (904)، والنسائي 3/ 13، وأحمد 4/ 25.
وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" (839).
(¬2) "حلية الأولياء" 3/ 50 - 51.
(¬3) "الزهد" (479).
(¬4) رواه الطبراني 12/ 120 - 121 (12650)، والبيهقي في "شعب الإيمان" 7/ 345.
قال الهيثمي في "المجمع" 8/ 203: فيه جويبر وهو ضعيف جدًّا.

الصفحة 508