لأنه لم يدل الدليل على سقوط الإعادة، فثبت أن القبلة وعرفة والفقر كُلف إصابته، وإنما سقطت إصابته لدليل.
مسألة
قد كان يجوز لنبينا -عليه السلام- الاجتهاد فيما يتعلق بأمر الشرع عقلاً وشرعاً (1) .
وقد ذكر أبو عبد الله بن بطة (2) هذا فيما كتب به إلى أبي إسحاق بن شاقْلاَ في جوابات مسائل، وقال:
الدليل على أن سنته وأوامره قد كانت (3) بغير وحي وأنها كانت بآرائه واختياره: أنه قد عوتب على بعضها، ولو أمِر بها لما عوتب عليها.
من ذلك: حكمه في أسارى بدر، وأخذ الفدية، فقيل له: (مَا كَانَ لِنَبِي أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ في الأرضِ) (4) .
ومنه: إذنه في غزوة تبوك للمخلفين بالعذر حتى تخلف من لا عذر له، حتى قيل له: (عَفَا الله عَنْكَ لِمَ أذنْتَ لَهُمْ) (5) .
__________
(1) راجع هذه المسألة في: التمهيد (4/373) وروضة الناظر (2/409) والبُلْبُل ص (175) والمسوَّدة ص (507) وشرح الكوكب (4/474) .
(2) هو: عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان أبو عبد الله العكبري الحنبلي، المعروف بابن بطة. سمع جماعة من شيوخ المذهب، منهم أبو عبد الله بن حامد وأبو حفص العكبري. كان محدثاً فقيهاً. له مؤلفات كثيرة، منها: الإبانة الكبرى، والإبانة الصغرى، والسنن، والمناسك. ولد سنة (304هـ) وتوفى سنة (387هـ) .
له ترجمة في: شذرات الذهب (3/122) وطبقات الحنابلة (2/144) .
(3) في الأصل: (كان) .
(4) آية (67) من سورة الأنفال.
(5) آية (43) من سورة التوبة.