وقد استدل أبو عبد الله بن بطة بدليلين (1) جيديْن:
أحدهما: قوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) (2) ، فلو كان ذلك عن وحي لم يحتج إلى مشاورتهم.
والثاني: أنه قد حكم باجتهاده في مواضع، بدليل أنه عوتب عليها.
من ذلك:
أخذ الفدية من أسارى بَدْر، [كما في] قوله: (مَا كَانَ لِنَبِيِّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ في الأَرْضِ) (3) .
وغير ذلك مما ذكرنا في رأس المسألة.
وربما احتج من نصر جواز الاجتهاد بأشياء منها:
أن السنة مضافة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحقيقة الإضافة تقتضي أنها من قِبَلِه.
والجواب: أنه إنما أضيف إليه؛ لأنها بقوله وجبت، وهو السفير.
ولهذا يضاف إليه جميعُ السنن، ومعلوم أن ليس جميعها باختياره.
ومنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في مكة: (ولا يُخْتَلَى خَلاَهَا) (4) قال العباس:
__________
(1) ذكر هذين الدليلين: ابن أبي يعلي في طبقاته في ترجمة أبي حفص البرمكي (2/163) منسوبة إلى المؤلف وإلى ابن بطة.
(2) آية (159) من سورة آل عمران.
(3) آية (67) من سورة الأنفال.
(4) هذا الحديث رواه ابن عباس -رضي الله عنهما- مرفوعاً.
أخرجه عنه البخاري في كتاب الحج، باب لا ينفر صيد الحرم (3/17) .
وأخرجه عنه مسلم في كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها إلا لمنشد على الدوام (2/986) رقم الحديث (1353) .