كتاب العدة في أصول الفقه (اسم الجزء: 3)

وأبي الحارث في قوله: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا) (1) أن ذلك لجواز النسخ وأن الله تعالى أخبر أنه إذا شاء نسخ من كتابه ما أحب. وظاهر هذا جواز النسخ في عموم الأحوال.
وبهذا قال أكثر أصحاب الشافعي (2) ، وهو قول الأشعرية.
وقال أبو الحسن التميمي من أصحابنا: لا يجوز (3) . وهو قول أصحاب أبي حنيفة (4) ، وأكثر المعتزلة (5) . وبعض الشافعية (6) .
فالدلالة على جوازه:
قوله تعالى في قصة إبراهيم: (يَا بُنَيّ إنّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أذْبَحُكَ فَانْظُر مَاذَا تَرَى قَالَ يا أَبَت افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إن شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (7) ، وَقوله: (إنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) قال القتبي (8) في "غريب القرآن" (9) :
__________
(1) (106) سورة البقرة.
(2) راجع في هذا: "المنخول" للغزالي ص (297) و"المستصفى" له (1/112) ، و"الإحكام" للآمدي (3/115) .
(3) وذكر في "المسودة" ص (207) أنه قد نُقِل عنه القولان.
(4) هذا العزو غير محرر، فإن جمهور الحنفية يقولون بالجواز، وبعضهم يقول بعدم الجواز. ومنهم الكرخي والجصاص والماتريدي والدبوسي. راجع في هذا: "تيسير التحرير" (3/187) ، و"مسلم الثبوت" مع شرحه "فواتح الرحموت" (2/61/62) .
(5) راجع في هذا: "المعتمد في أصول الفقه" لأبي الحسين البصري (1/407) .
(6) هو: أبو بكر الصيرفي. كما حكى ذلك الآمدي في "الإحكام" (3/115) .
(7) (102) سورة الصافات.
(8) هو ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم الدينوري، أبو محمد، وقد مضت ترجمته في أول الكتاب ص (68) .
(9) هذا الكتاب من أجود مؤلفاته، وقد نسبه إليه ابن العماد الحنبلي في كتابه: "شذرات الذهب" (2/169) .

الصفحة 808