كتاب السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة

المغيرة كافرًا"12.
وهكذا "يمكن اعتبار سرية عبد الله بن جحش الجسر الذي اجتازه صراع المناوشات بين الإسلام والوثنية صوب القتال المنظم المكشوف الذي بدأته معركة بدر، ذلك أن هذه السرية كشفت بسبب توغل مقاتليها بعيدًا إلى طريق التجارة المكية اليمنية مدى خطورة الدولة الناشئة على تجارة مكة خاصة، ووجودها الوثني عامة"3.
إن الجرأة الشديدة التي تمت بها هذه العملية أذهلت قريش التي لم يدر بخلدها أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يستطيعون التوغل إلى هذه الدرجة في منطقة نفوذها، وكان التوغل من منطقة بعيدة عن أعين قريش، وغير متوقعة على الإطلاق، ومما زاد في دهشتها تلك السَّرية التامة، والدقة المتناهية التي تمت بها
__________
1 من رواية موسى بن عقبة عن الزهري. انظر البيهقي، دلائل (3/21) ، باقشيش، مرويات (1/198) .
2 الحديث أورد طرفًا منه البخاري في باب ما يذكر في المناولة، لكنه لم يروه موصولا، وقد تتبعه الحافظ ابن حجر فصححه بمجموع طرقه حيث قال: "وهو صحيح وقد وجدته، من طريقين، إحداهما مرسلة ذكرها الن إسحاق في المغازي عن يزيد بن رومان، وأبو اليمان في نسخته عن شعيب عن الزهري، كلاهما عن عروة بن الزبير، والأخرى موصولة له أخرجها الطبراني من حديث جندب البجلي بإسناد حسن، ثم وجدت له شاهدًا من حديث ابن عباس عند الطبري في التفسير. فبمجموع هذه الطرق يكون صحيحًا". ابنحجر، فتح (1/153-154) .
قلت: وقد اعتضد بشواهد أخرى، فقد رواه موسى بن عقبة عن الزهري. انظر البيهقي، سنن (9/59) ، ودلائل (3/20-21) ، وابن سيد الناس، عيون (1/277) وابن كثير، بداية (2/249) ، وباقشيش، مرويات (1/195) وقد ورد الخبر عن ابن عباس بطرق مختلفة غير ما وجده ابن حجر. انظر الطبري، تفسير (2/350-351-352) وابن كثير، تفسير (1/253) ، وبداية (2/250) والسيوطي، لباب النقول (ص 420) ، والشوكاني، فتح القدير (1/219) . مع رواية غالبية أهل المغازي له فقد رواه الواقدي (1/13-14-15-16-17-18-19) ، وابن سعد، طبقات (2/10-11) ، والبلاذري، أنساب (371-372) ، وابن حزم، حوامع (104-105-106) ، وابن عبد البر، درر (107-108-109) ، والعامري، بهجة (1/179) ، والمقريزي، إمتاع (1/55-56-57-58-59) ، وابن القيم، زاد (2/84) ، إضافة إلى تخريج أهل التفسير له في قوله تعالى {يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ ... } إلخ. انظر بالإضافة للمصادر التفسيرية السابقة: البغوي، معالم التنزيل (12/188-189-190) ، والواحدي، أسباب النزول (99-100-101-102) ، والسيوطي، الدرر المنثور (1/250) ، فجميع هذه الطرق التي ورد بها الخبر تؤيد رأي ابن حجر في تصحيحه له بحيث تتعاضد فيما بينها لتكسبه القوة، والله أعلم بالصواب.
3 عماد الدين خليل، دراسة في السيرة (ص: 174) .

الصفحة 101