كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح (اسم الجزء: 32)

وقد جاء معاذ بن جبل من اليمن إلى الصديق بأعبدٍ له أصابهم في إمارته على اليمن، فقال له عمر - رضي الله عنه -: ادفع الأعبد إلى أبي بكر - رضي الله عنه - فأبى معاذ من ذلك، ثم إن معاذًا رأى في المنام كأنه واقف على نار يكاد أن يقع فيها، وأن عمر - رضي الله عنه - أخذ بحجزته، فصرفه عنها، فلما أصبح قال لعمر: ما ظني إلا أني أعطي الأعبد أبا بكر. فقال له: وكيف ذلك؟.
قال: رأيت البارحة في النوم كذا، وما أظن ما أشرت به علي في الأعبد إلا تأويل الرؤيا فدفعها إلى الصديق. (فرأى) (¬1) أبو بكر ردهم، فردهم فكانوا عند معاذ، فاطلع يومًا فرآهم يصلون صلاة حسنة فأعتقهم (¬2).
فصل:
اختلف السلف في تأويل قوله تعالى: {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [المائدة: 42] فروي عن مسروق أنه سأل ابن مسعود عنه: أهو الرشوة في الحكم؟ فقال عبد الله: ذلك الكفر وقرأ: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] قال: ولكن السحت أن يستعينك رجل على مظلمة إلى إمام فهدى إليك هدية (¬3).
وقال النخعي: كان يقال: السحت: الرشوة في الحكم. وعن عكرمة مثله (¬4)، وفي حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - وثوبان - رضي الله
¬__________
(¬1) في الأصل: فأبى [من غير نقط] ولعله تحريف، والمثبت من "ابن بطال" 8/ 334 وهو الأنسب للسياق.
(¬2) رواه الحاكم 3/ 272 وقال: صحيح على شرط الشيخين.
(¬3) رواه الطبري 4/ 581 (1968) وابن أبي حاتم 4/ 1134 (6382).
(¬4) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 580 (11959)، "تفسير ابن أبي حاتم" 4/ 1135 (6386).

الصفحة 104