كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح (اسم الجزء: 32)

مذهبه (¬1)، وذكر في "الزاهي" عن بعض أصحاب مالك أنه ليس له أن يجيز بيع الغاصب -وهذا مثل مذهب الشافعي (¬2) - وإن وجدها عند مشتريها وكانت من الوخش ولم تتغير لم يكن له إلا أخذها، وإن كانت رائعة فأطلق الجواز في "المدونة" كما سلف.
وقال مطرف وابن الماجشون: هو مخير بين أخذها أو قيمتها إذا غاب عليها الغاصب (¬3)، والحجة لمن خالف أبا حنيفة بيان الشارع: أنه "لا يحل مال مسلم إلا عن طيب نفس منه" (¬4)، وأن حكم الحاكم لا يحل ما حرم الله ورسوله، لقوله - عليه السلام -: "فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار".
وقال أبو حنيفة: إن القيمة ثمن. ليس كذلك؛ لأن القيمة إنما وجبت؛ لأن الجارية متلفة لا يقدر عليها، فلما ظهرت وجب له أخذها؛ لأن أخذ القيمة ليس ببيع يبيع بائعه به، وإنما أخذها؛ لهلاكها، فلما زال ذلك وجب الرجوع إلى الأصل الذي كان عليه وهو تسليم الجارية إلى صاحبها.
وقد فرق أهل العلم بين القيمة والثمن، فجعلوا القيمة في الشيء المستهلك وفي البيع الفاسد، وجعلوا الثمن في الشيء القائم، والفرق بين البيع الفاسد والغصب أن البائع قد رضي بأخذ الثمن عوضًا عن
¬__________
(¬1) "المدونة" 4/ 176.
(¬2) انظر: "البيان" للعمراني 7/ 70.
(¬3) انظر: "النوادر والزيادات" 10/ 316.
(¬4) رواه أحمد 3/ 423 من حديث عمرو بن يثربي، وفي الباب عن غير واحد من الصحابة: انظر "تلخيص الحبير" 3/ 45 - 46، والحديث صححه الألباني في "الإرواء" (1459) مفصلًا طرقه وما فيها، فانظره.

الصفحة 78