كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح (اسم الجزء: 32)

قوله - عليه السلام -: "إنما الأعمال بالنيات" (¬1) والمعنى في النهي عن الفرار منه كأنه يفر من قدر الله وقضائه، وهذا لا سبيل إليه لأحد؛ لأن قدره لا يغلب.
وقد سلف الكلام في معنى هذا الحديث في كتاب: المرضي والطب، في باب: من خرج من أرض لا تلائمه (¬2).
فصل:
فيه قبول خبر الواحد، وقوله: ("لا تقدموا عليه"). يريد أن مقامكم بالموضع الذي لا وباء فيه أسكن لنفوسكم وأطيب لعيشتكم.
وفيه: أنه قد يوجد عند بعض العلماء ما ليس عند أكثر منه في العلم، قيل: وفيه دليل على صحة قول ابن الطيب: أن الصحابة أجمعوا على تقدمة خبر الواحد على قياس الأصول، وفساد قول من قدم قياس الأصول على الخبر؛ لرجوع جميعهم إلى خبر عبد الرحمن.
وروى أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه -: أنه كان يبعث بنيه إلى الأعراب من الطاعون، وروي نحوه عن عمرو بن الأشعث، وأبي الأسود بن هلال ومسروق، وروي أن أبا عبيدة استقبل عمر - رضي الله عنهما - فقال: جئت بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تدخلهم أرضًا فيها الطاعون الذين هم أئمة يقتدى بهم؟ قال عمر - رضي الله عنه -: يا أبا عبيدة، شككت؟ فقال: أشكًّا؟ فقال أبو عبيدة: كأن يعقوب إذ قال لبنيه: {لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ} [يوسف: 67]. فقال عمر: والله لأدخلنها. فقال أبو عبيدة: والله لا تدخلها. فرده.
¬__________
(¬1) سلف برقم (1).
(¬2) سلف برقم (5727)، وحديث الباب سلف في الباب الذي بعده برقم (5728).

الصفحة 91