فإن اعترض بما روي من قول عمر - رضي الله عنه - لرسول ال - صلى الله عليه وسلم -: دعني أضرب عنقه. فقال: "إن يكن هو فلن تسلط عليه، وإن لم يكن فلا خير لك في قتله" (¬1). فهلذا يدل علي شكه - عليه السلام - فيه وترك القطع عليه أنه الدجال.
ففيه جوابان: أحدهما: أنه يمكن أن يكون هذا الشك فيه كان متقدما ليمين عمر أنه الدجال ثم أعلمه الله أنه الدجال [فلذلك ترك إنكار يمينه عليه] (¬2) لتيقنه بصحة ما حلف عليه.
ثانيها: أن الكلام وإن خرج مخرج الشك فقد يجوز أن يراد به التيقن والقطع كقوله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65]، وقد علم تعالى أن ذلك لا يقع منه، فإنما خرج هذا منه - عليه السلام - على المتعارف عند العرب في تخاطبها كقول الشاعر:
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا أَأَنت أَمْ أُم سالم
فأخرج كلامه مخرج الشك لطفًا منه بعمر - رضي الله عنه - في صرفه عن عزمه على قتله، وقد ذكر عبد الرزاق [عن معمر] (¬3) عن الزهري عن سالم، عن أبيه قال: لقيت ابن صياد يومًا ومعه رجل من اليهود فإذا عينه قد طفيت وهي خارجة مثل عين الجمل فلما رأيتها قلت: أنشدك الله يا ابن صياد متي طفيت عينك؟ قال: لا أدري والرحم. قال: كذبت لا تدري وهي في رأسك؟! قال: فمسحها ونخر ثلاثا، فزعمت اليهود أني ضربت بيدي على صدره وقلت له: اخسأ فلن تعدو قدرك، فذكرت ذلك لحفصة فقالت: اجتنب هذا الرجل فإنما نتحدث أن
¬__________
(¬1) سبق برقم (1354) كتاب: الجنائز، باب: إذا أسلم الصبي فمات ...
(¬2) ليست بالأصل، والمثبت من "شرح ابن بطال"10/ 386، ولا يستقيم السياق بدونها.
(¬3) ساقطة من الأصل، وأثبتناها من "المصنف".