كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح (اسم الجزء: 33)

وقوله: ("ما أنزل علي فيها إلا هذه الآية الفادة الجامعة {وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} ") إلى آخره أي: من أحسن إليها رأى إحسانه في الآخرة، ومن أساء إليها وكلفها فوق طاقتها رأى إساءته في الآخرة، والله تعالى يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، ومعنى جامعة: جمعت أعمال البر كلها دقيقها وجليلها، وكذلك أعمال المعاصي، ومعنى: فاذة: مفردة في معناها، قال ابن المنذر: وهذا يدل على أن ما لم يذكر فيه إيجاب الزكاة فهو عفو عنه كعفوه عن صدقة الخيل والرقيق.
وليس يعني أنه يرى عين عمله في قوله: {يَرَهُ} وإنما يرى جزاءه؛ كقوله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ} [البقرة: 197] أي: يحازي عليه قوله في حديث عائشة - رضي الله عنها -: ("تأخذين فرصة"). كذا في الأصول: "تأخذين"، وذكره ابن التين بلفظ: تأخذي، ثم قال: صوابه: (تأخذين)، والفرصة -مثلثة الفاء كما سلف في الطهارة- القطعة من القطن أو الخرق تمسح بها المرأة من الحيض.
قال ابن فارس: وتكون من الصوف، كانما أخذت من فرصت الشيء قطعته (¬1)، وقاله الهروي (¬2) وأنكر ابن قتيبة أن تكون بالصاد "انما هي بالقاف والضاد المعجمة، وأنكر ذلك أيضًا، وقال هنا ابن الطيب وقال: لم يكن للقوم وسع في المال يستعملون الطيب في الحال مثل هذا، وهذا إنما معناه الإمساك فإن قالوا: إنما سمع رباعيًّا، والمصدر منه إمساكًا، قيل: وسمع أيضًا ثلاثيًّا ويكون مصدره مَسْكًا، قوله: "توضئين بها". أي: تنظفين وتتبعين أثر الدم.
¬__________
(¬1) "مجمل اللغة" 3/ 716 مادة (فرص).
(¬2) انظر: "النهاية في غريب الحديث" 3/ 431.

الصفحة 153