كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح (اسم الجزء: 33)

شعبة، عن ناس من أهل حمص، عن معاذ - رضي الله عنه - أنه - عليه السلام - لما بعثه إلى اليمن قال: "كيف تقضي؟ " قال: بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد في كتاب الله" قال: فبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "فإن لم تجد في السنة" قال: أجتهد رأيي. فقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".
ثم قال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل (¬1). ولأبي داود حدثني ناس من أصحاب معاذ عن معاذ ثم ساقه (¬2) وذكره الخطيب في كتاب "الفقيه والمتفقه" أن الحارث رواه عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ (¬3). وهذا إسناد جيد فقد أنبأت هذه الأخبار أن معنى قول عمر - رضي الله عنه - السالف: أنه الرأي الذي وصفناه؛ لأنه محال أن يقال: اتهموه واستعملوه؛ لأنهما ضدان ولا يظن ذلك به، ولا بنظرائه يوضحه أيضًا رواية مجاهد (¬4) عن الشعبي، عن عمرو بن حُريث قال: قال عمر: إياكم وأصحابَ الرأي فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا (¬5)، وقد تبين هذا من عمر أنه أمر باتهام الرأي فيما خالف أحكام رسوله وسنته، وذلك أنه قال: (أنه) (¬6) أعداء السنن أعيتهم أن يحفظوها، فأخبر أنه لما أعياهم حفظ سنته، قالوا برأيهم وخالفوها جهلًا منهم بأحكام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنته وذلك هو الجرأة على الله بما لم يأذن به في دينه والتقدم بين يدي رسوله.
¬__________
(¬1) الترمذي (1328).
(¬2) أبو داود (3592).
(¬3) "الفقيه والمتفقة" 1/ 742.
(¬4) هكذا في الأصل، وفي "سنن الدارقطني": مجالد.
(¬5) رواه الدارقطني 4/ 146 من طريق مجالد، عن الشعبي، به.
(¬6) كذا في الأصل ولعله (أنهم).

الصفحة 69