378 ... في تلك السنة حج آغا الطواشي، من مماليك مراد، كان محظياً عنده، فاستأذنه في الحج فأذن له، وأخرج دستوراً مكرماً بيده، ومعناه جواز تصرفه في كل ما يريد من عزل وتولية فلما دخل مصر خرج للقائه صاحب مصر إلى خارج البلد، فلما نظر إليه ترجل عن فرسه، وسار إلى أن قبل ركبته، ومشى إلى أن أمره بالركوب، فدخل مصر ووصل الخبر بما وقع لمولانا الشريف زيد فأخذته الأريحية والهمة العالية، وأقلقه ما ورد عليه من الخبر، فعزم على الخروج من حكمه ليكون عذراً في عدم اللقاء. فما إن وصل بشير آغا إلى رابغ، أتاه نجاب بخبر وفاة مولانا السلطان، فبطل ما بيده من الأحكام وصار كأحد الناس، بعد أن كان رئيس الحكام فورد بشير آغا مكة، فلاقاه الشريف بقرب مكة، وبشير آغا عنده أن خبر موت السلطان مكتوم، فلما تقاربا وتصافحا ركض مولانا الشريف فرسه متقدماً على بشير. وقال بالتركية:
الله رحمت إيله سلطان مرادة فحين سمعه بشير آغا تداخل في جسمه، ومشى كالأسير (1)
ولا ندري أسباب هذا التفويض هل لشخصية المذكور المتميزة، أم للأحوال السيئة بالمدينة التي كانت سائدة آنذاك، ولعل السبب الأول هو الأرجح بدليل ما ورد عن الشاعر جعفر البيتي (2) الذي روى لنا بشعره عن أوضاع المدينة في فترة حكمه:
قفوا تنظروا آثار ما صنع الظلم وجوسوا خلال الدار تنبكم الأكم
قفوا بالرسوم الدارسات فربما تحققتم منها وما نطق الرسم
قفوا نشتكي ما قد أصاب فإنه عظيم وإن الأمر حادثه ضخم
سلوا كل درب بالمدينة ما الذي لقينا فعند الدار من أهلها علم
سلوها عن الهتك الذي قد أصابها قريباً ممن لقيناه في وجهها وشم
ثم أردف بقصيدة أخرى: ...
__________
1 - أمراء البلد الحرام ص106. 2 - السيد جعفر البيتي العلوي السقاف: ولد بالمدينة سنة 1110هـ، له ديوان شعر مخطوط، انظر ترجمته في تحفة المحبين ص53 وما بعدها، حلية البشر ترجمة مفصلة ومسهبة.