كتاب أحكام أهل الذمة (اسم الجزء: 1)

وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ سَبَبَ الْجِزْيَةِ قَائِمٌ فِي الْحَالِ، وَيُعْطِيهَا عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ شَيْئًا فَشَيْئًا بِحَسَبِ احْتِمَالِ الْمَحَلِّ لِتَعْوِيضِ الضَّرَبَاتِ فِي الْحُدُودِ.
وَلِهَذَا قَالُوا: تُؤْخَذُ كُلَّ شَهْرٍ بِقِسْطِهِ فَإِنَّهَا لَوْ أُخِّرَتْ حَتَّى دَخَلَ الْعَامُ الثَّانِي سَقَطَتْ كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي " الْجَامِعِ ".
وَعَلَى هَذَا فَلَا تَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ أَبَدًا، وَلَا سَبِيلَ إِلَى أَنْ تُؤْخَذَ سَلَفًا وَتَعْجِيلًا فَأُخِذَتْ مُفَرَّقَةً عَلَى شُهُورِ الْعَامِ لِقِيَامِ مُقْتَضًى لِصَدَقَتِهِ مِنَ الْكُفْرِ وَفِي الْأَخْذِ مِنَ الذَّبِّ عَنْهُ وَالنُّصْرَةِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ " الزِّيَادَاتِ " فِي نَصْرَانِيٍّ مَرِضَ السَّنَةَ كُلَّهَا فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ وَهُوَ مُوسِرٌ: أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ لِأَنَّهَا إِنَّمَا تَجِبُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمُعْتَمِلِ.
وَكَذَلِكَ إِنْ مَرِضَ نِصْفَ السَّنَةِ أَوْ أَكْثَرَهَا، فَإِنْ صَحَّ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ فَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ وَلِأَنَّ الْمَرِيضَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ فَهُوَ خَالٍ مِنَ الْغِنَى.
وَكَذَلِكَ إِذَا مَرِضَ أَكْثَرَ السَّنَةِ أَنَّ الْأَكْثَرَ يَقُومُ مَقَامَ الْجَمِيعِ.
وَكَذَلِكَ إِذَا مَرِضَ نِصْفَ السَّنَةِ أَنَّ الْمُوجِبَ وَالْمُسْقِطَ تَسَاوِيَا فِيمَا طَرِيقُهُ الْعُقُوبَةُ وَكَانَ الْحُكْمُ لِلْمُسْقِطِ كَالْحُدُودِ.
وَاحْتَجَّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِقِتَالِهِمْ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ وَبِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ وَإِذْلَالٌ وَصَغَارٌ لِلْكُفْرِ وَأَهْلِهِ، فَلَا يُتَأَخَّرُ عَنِ الْقُدْرَةِ عَلَى أَخْذِهَا.

الصفحة 147

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text