كتاب الصبر والثواب عليه لابن أبي الدنيا

قَالَ خَلَفٌ: " وَسَمِعْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ يَقُولُ: إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا ابْتَلَيْتَنِي لِتَعْرِفَ صَبْرَى §فَأَفْرِغْ عَلَيَّ صَبْرًا يُبَلِّغُنِي رِضَاكَ عَنِّي، وَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا ابْتَلَيْتَنِي لِتُثِيبَنِي وَتَأْجُرَنِي وَتَجْعَلَ بَلَاءَكَ لِي سَبَبًا إِلَى رَحْمَتِكَ بِي، فَمَنْ مِنْ عِبَادِكَ أَعْظَمُ نِعْمَةً وَمِنَّةً مَنَنْتَ بِهَا عَلَيَّ إِذْ رَأَيْتَنِي لِاخْتِبَارِكَ لَهَا أَهْلًا، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَأَنْتَ أَهْلُ كُلِّ خَيْرٍ وَوَلِيُّ كُلِّ نِعْمَةٍ قَالَ: فَلَمَّا كَانَ بِالْعَشِيِّ مَاتَ "
قَالَ خَلَفٌ: وَسَمِعْتُ رَجُلًا مُبْتَلًى يَقُولُ: «§الصَّبْرُ عَلَى مِنَنِ الرِّجَالِ أَشَدُّ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى مَا بِي مِنَ الْبَلَاءِ»
قَالَ خَلَفٌ: وَسَمِعْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ دَاوُدَ الْجَوَارِبِيَّ يَقُولُ يَوْمًا، وَأَقْبَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْمَاعِيلَ، قُلْ لِأَصْحَابِكَ أَهْلِ الْبَلَاءِ: «§اغْتَنِمُوا الصَّبْرَ فَكَأَنَّكُمْ قَدْ بَلَغْتُمْ مُدَّتَهُ»
قَالَ خَلَفٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ يُكَنَّى أَبَا مَيْمُونٍ، وَكَانَ عَاقِلًا، فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْمَاعِيلَ إِنَّ لِلصَّبْرِ شُرُوطًا قُلْتُ: مَا هِيَ يَا أَبَا مَيْمُونٍ؟ -[53]- قَالَ: «إِنَّ §مِنْ شُرُوطِ الصَّبْرِ أَنْ تَعْرِفَ كَيْفَ تَصْبِرُ؟ وَلِمَنْ تَصْبِرُ؟ وَمَا تُرِيدُ بِصَبْرِكَ؟ وَتَحْتَسِبَ فِي ذَلِكَ وَتُحْسِنَ النِّيَّةَ فِيهِ، لَعَلَّكَ إِنْ يُخْلَصْ لَكَ صَبْرُكَ، وَإِلَّا فَإِنَّمَا أَنْتَ بِمَنْزِلَةِ الْبَهِيمَةِ نَزَلَ بِهَا الْبَلَاءُ فَاضْطَرَبَتْ لِذَلِكَ، ثُمَّ هَدَأَ فَهَدَأَتْ، فَلَا هِيَ عَقَلَتْ مَا نَزَلَ بِهَا فَاحْتَسَبَتْ وَصَبَرَتْ وَلَا هِيَ صَبَرَتْ، وَلَا هِيَ عَرَفَتِ النِّعْمَةَ حِينَ هَدَأَ مَا بِهَا فَحَمِدَتِ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ وَشَكَرَتْ»

الصفحة 52