كتاب القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

فائدة لغوية: قوله: (أبْرِدوا عَنْ الصَّلاَةِ) كلام قلق في الظاهر ونظامه البين.
أبردوا الصلاة. يقال: أبرد الرجل إذا دخل زمان البرد أو مكانه ولكنه مجاز عبر فيه بأحد قسمي المجاز وهو التسبب حسب ما بيَّناه في أصول الفقه (¬1)، فكنَّى عن الشيء بثمرته وهو التأخير، وكأنه قال: تأخروا عن الصلاة صيانة لها عن أن يناط بها التأخير لفظاً فكيف فعلاً، وقد قال النبي، - صلى الله عليه وسلم -، لعمر، رضي الله عنه: (أَخَّرْ عَنِّي (¬2) يا عُمَرُ) يعني نفسه.

نكتة أصولية:
قال: اشتكت النار إلى ربها. اختلف الناس هل هذه الشكوى حقيقة بكلام أم هي مجاز عبّر فيها (¬3) بلسان الحال عن لسان المقال (¬4) كما قال الراجز:
يشكو إليَّ جملي طول السّرى ... صبراً جميلًا فكلانا مبتلى (¬5)
¬__________
(¬1) قال في أصول الفقه: المجاز على قسمين أحدهما التشبيه كقوله في الشجاع أسد والبليد حمار تشبيهاً للعاقل بغير العاقل، والثاني التسبب وهو على وجهين: أحدهما أن يعبر عن الشيء بمقدمته السابقة له، الثاني أن يعبر عنه بفائدته - أصول الفقه ل/6.
قلت: ومراد المؤلف هنا التعبير عن الشيء بفائدته.
(¬2) البخاري في الجنائز باب ما يكره من الصلاة على المنافقين 2/ 121، وفي تفسير سورة براءة باب استغفر لهم أو لا تستغفر لهم 6/ 56 والتِّرمِذي 5/ 276، والنسائي 4/ 67 - 68 كلهم من طريق ابن عباس عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أنه قال: لما مات عبد الله بن أبيّ بن سلول دُعي له رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، ليصلي عليه، فلما قام رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وثبت إليه فقلت: يا رسول الله أتصلّي على ابن أبيّ وقد قال يوم كذا وكذا، فتبسم رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وقال: "أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ".
(¬3) في م فيه.
(¬4) قال السيوطي: اختلف هل هو حقيقة بلسان المقال أو مجاز بلسان الحال أوتكلم عنها خازنها أو من شاء عنها، والأرجح حمله على الحقيقة. كذا رجَّحه ابن عبد البر وقال: أنطقها الله الذي أنطق كل شيء. والقاضي عياض وقال: إن الله قادر على خلق الحياة بجزء منها حتى يتكلم أو يخلق لها كلاماً يسمعه من شاء من خلقه. وقال النّووي: جعل الله فيها إدراكاً وتمييزاً بحيث تكلمت بهذا. وقال ابن المنير: استعارة الكلام للحال وان عدت وسمعت لكن الشكوى وتفسيرها والتعليل له والإذن والقبول والنفس وقصره على اثنين فقط بعيد من المجاز خارج عما ألف من استعماله. ورجّح البيضاوي الثاني فقال: شكواها مجاز عن غليانها، وأكل بعضها بعضاً مجاز عن ازدحام أجزائها ونفسها مجاز عن خروج ما يبرز منها. تنوير الحوالك 1/ 37 وانظر فتح الباري 2/ 19.
قلت: الأولى، في هذا الموضع، الحمل على الحقيقة لأن الله تعالى لا يعجزه أن ينطق النار أو غيرها من المخلوقات والله أعلم.
(¬5) البيت انظره في شرح الشافية الكافية لابن مالك تحقيق الدكتور عبد المنعم أحمد هريدي 1/ 361. وانظره في شرح التسهيل 1/ 47.

الصفحة 108