كتاب الأحاديث الواردة في فضائل المدينة جمعا ودراسة

231…
نصر ابن ماكولا: الحمل عليه فيها))، ثم ذكر له الذهبي حديثا آخر بالإسناد المتقدم نفسه (1).
فالحديث باطل كما قال الذهبي رحمه الله، وهو مخالف للحديث الصحيح الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم - عن العراق - (هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان) (2).
وفي هذه الأحاديث المتقدمة دلالة ظاهرة على فضل المدينة حيث خصها النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء بالبركة فيصاعها ومدها.
قال ابن عبد البر في قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم بارك لهم في صاعهم ومدهم): ((هذا من فصيح كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلاغته، وفيه استعارة بينة، لان الدعاء انما هو للبركة في الطعام المكيل بالصاع والمد، لا في الظروف، والله أعلم.
وقد يحتمل - على ظاهر العموم - أن يكون في الطعام والظروف)) (3).
وقال أبو زكريا النووي - بعد ان نقل عن القاضي عياض عدة معان لهذا الحديث - قال: ((والظاهر من هذا كله أن البركة في نفس المكيل في المدينة، بحيث يكفي المد فيها لمن لا يكفيه في غيرها. والله أعلم)) (4).
وفي الأحاديث المتقدمة ما هو أعم من الدعاء بالبركة في الصاع والمد، وهو دعاؤه صلى الله عليه وسلم للمدينة بمثلي ما دعا به إبراهيم لمكة.
وقد ذكر الله عز وجل في كتابه العزيز دعاء إبراهيم لمكة، فقال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) الآية (5).
وقال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) (6).
__________
(1) الميزان: (465/ 3).
(2) تقدم برقم: (104).
(3) التمهيد: (278/ 1).
(4) شرح صحيح مسلم: (142/ 9).
(5) الآية 126 من سورة البقرة.
(6) الآية 35 من سورة إبراهيم.

الصفحة 231