كتاب الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (اسم الجزء: 1)

29- فصل
ذكر القدري بكتابه في التشنيع على من خالفه فقال: وزعموا أن ما يحدث في العالم من المخازي والفضائح والمعاصي والخبائث والقبائح فالله خالقه ومبتدعه والكفار مبرؤون من ابتداع الكفر والضلال، بل نهاهم عن شيء أوجده فيهم وعذبهم على أمر حتمه عليهم، كأنهم لم يسمعوا الله يقول: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} 1.
فأخبر الله تعالى أنه ما بدأ بتغيير حتى بدأواهم فغيروا ما بأنفسهم فبدلوا نعمة الله كفراً، ولو كان الله هو الذي ابتدأهم بخلق الكفر فيهم لكان قد بدأهم بأشد التغيير.
والجواب عن تسميته لأفعال العباد في المعصية قبائح وخبائث ومساوئ أن يقال له: هل سُميت هذه الأفعال بهذه الأسماء لعين الأفعال أو لمعنى غير أعيانها؟
فإن قال: سُميت لأعيانها بهذه الأسماء. قلنا: فيلزمك على هذا أن تسمي هذه الأفعال معاصي وخبائث ومساوئ وقبائح قبل ورود الشرع2 بتحريمها، كما تسمى أجساماً وأعراضاً قبل ورود الشرع، وإذا كانت كذلك استغنى الخلق بعقولهم عن بعث الرسل بتحليل الحلال وتحريم الحرام وهذا نفس اعتقاد القدرية وقد مضى بيانه3.
__________
1 الأنفال آية (53) .
2 المعتزلة يقولون: بأن الحسن والقبح صفة ذاتية في الأفعال والشرع كاشف عن تلك الصفات. انظر: شرح الأصول الخمسة ص 310، الفتاوى لشيخ الإسلام 8/431.
3 تقدم بيان بأن المعتزلة يزعمون أن معرفة الله وجبت بالعقل ولو لم يبعث الرسل لكان في العقل ما يدل على الله. انظر: ص 152 والمعتزلة يرون أن الأفعال يعرف قبحها وحسنها بالعقل، وأن الرسل يجب بعثهم حتى يبينوا وجه المصلحة والمفسدة في الأفعال، وإن كان قد تقرر في العقل حسنها وقبحها فيأتي الرسل بتفضيل ما تقرر في العقل. انظر: شرح الأصول الخمسة ص 564.

الصفحة 209