كتاب الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (اسم الجزء: 1)
بذلك من غير ذنب سبق منهم، وكان قادراً على أن يعافيهم ويعطيهم المنزلة الرفيعة في الآخرة من غير عذاب منه لهم في الآلام والأسقام والآفات ولكنه محكم بمماليكه وعبيده، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون1.
__________
1 قول المصنف - رحمه الله – "ولو خلقهم وعذبهم ابتداءاً من غير عمل.. الخ" يحتاج إلى توضيح، فإن قوله: "لو خلقهم وعذبهم ابتداءً من غير عمل لم يكن ظالماً ولا مستحقاً اسم الجور ولا خارجاً عن الحكمة" فرض باطل، لأن هذا لا يكون لأنه من الظلم الذي نفاه الله عزوجل عن نفسه في آيات عديدة منها قوله تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ} وقوله: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ} وقوله: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} وقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً} قال ابن جرير في تفسيره 16/217 فلا يخاف من الله أن يظلمه حسناته فينقصه ثوابها" وأسند هذا التفسير عن ابن عباس وقتادة والحسن وغيرهم وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم- في الحديث القدسي "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا" أخرجه م. كتاب البر 4/1994 من حديث أبي ذر - رضي الله عنه -، وهذا القول عائد إلى معنى الظلم الذي نفاه الله عزوجل عن نفسه فإن للناس فيه ثلاثة أقوال.
القول الأول: قول أكثر أهل السنة أن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وقد نفى الله عزوجل أن يظلم الناس شيئاً أو أنه يضع عليهم سيئات لم يعملوها ولا يبخسهم من حسناتهم شيئاً وأدلتهم في ذلك الآيات المتقدمة.
القول الثاني: قول المعتزلة القدرية أنهم جعلوا كل ما كان من بني آدم ظلماً وقبيحاً يكون من الله عزوجل ظلماً وقبيحاً فقاسوا أفعال الله بأفعال خلقه - وهذا باطل فإن الله عزوجل الرب الغني القادر والخلق هم الفقراء المقهورون، كما أن هذا القول أدخلهم في أقوال باطلة كثيرة منها: زعمهم أن الله يجب أن يعمل لعباده الأصلح ولو لم يفعل ووقع من العباد كفر وفسق فعذبهم عليه كان ظالماً لهم، ونحو ذلك مما تقدم بعضه من كلام القدري، مما هو في الحقيقة داخل تحت تفضل الله ورحمته وليس داخلاً تحت الواجب عليه الذي إن أخل به فهو مقصر فيما يجب عليه، وذلك مثل الهداية والتوفيق إلى الخير فإنها من فضل الله ورحمته وله المشيئة التامة في التفضل بها أو منعها، كما أن له الحكمة البالغة في ذلك والحمد أيضاً، ولهذا القدرية لا يحمدون الله على ما أنعم به على العباد، إذ يرون ذلك من الواجب عليه والإخلال به قبيح، كما أنهم يرون أنه من باب العرض المستحق، وأما أهل السنة فإنهم يرون ذلك غير واجب عليه بل هو تفضل وإنعام منه فيحمدونه الحمد كله عليه ويسألونه الفضل والزيادة.
القول الثالث: قول من زعم أن الظلم بالنسبة للخالق هو كل ما لا يدخل تحت القدرة، وكل ما يدخل تحت قدرته فليس فعله ظلماً، وقالوا أيضاً: الظلم التصرف في ملك الغير، وهذا القول عزاه شيخ الإسلام وغيره إلى طائفة من مثبتة القدر من المتقدمين والمتأخرين من الجهمية وأهل الكلام وبعض الفقهاء وأهل الحديث، وهذا القول في مقابل قول القدرية الذين جعلوا كل ظلم ما العباد هو ظلم من الله، فقابلهم هؤلاء بأن الظلم ما لا يدخل تحت القدرة، وكل ما يدخل تحت القدرة فله أن يفعله ولا يكون ظلماً كتعذيب الصالحين وإثابة العاصين، ونحو ذلك مما توصل به كثير منهم إلى نفي الحكمة ومخالفة صريح القرآن بأن الله لا يساوي بين الفريقين: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} ونحوها من الآيات.
واستدل أصحاب هذا القول بما رواه أبو داود عن ابن الديلمي عن أبي بن كعب وابن مسعود وحذيفة وزيد بن ثابت أنهم قالوا: "إن الله لو عذب أهل سمواته وأرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم" وقد تقدم تخريجه ص 143.
فظن هؤلاء أن هذا يكون من غير استحقاق منهم للعذاب، والصحيح أن الله لو عذب أهل سمواته وأرضه لم يكن ظالماً لهم لعظم حقه عليهم، وعدم قيام الخلق بما له جل وعلا عليهم من الحقوق، وعظيم سابق النعمة والفضل الذي لا يستطيعون شكره والقيام بحقه إما عجزاً وجهلاً وإما تفريطاً وإضاعة لحقه أو تقصيراً منهم في شكر المنعم ولو من بعض الوجوه، لهذا قال - صلى الله عليه وسلم-: في حديث أبي هريرة "لن يُنْجي أحداً منكم عمله"، قال رجل: ولا إياك يا رسول الله؟ قال: "إياي إلا أن يتغمدني الله منه برحمة ولكن سددوا" أخرجه خ. الرقاق، كتاب صفات المنافقين 4/2169. فدل على أنه لو عذبهم لكان ذلك عن استحقاق، لأن عملهم لا ينجيهم من النار كما في بعض روايات الحديث عند مسلم عن جابر "لا يُدْخلُ أحداً منكم عمله الجنة ولا يجيره من النار ولا أنا إلا برحمة من الله"، فلا يسع الخلق إلا رحمة الله عزوجل وتفضله ونعمته.
والمصنف العمراني - رحمه الله - يوافق أصحاب القول الثالث وقياسه هذا القول على ما يصيب الله عزوجل به الأطفال من العاهات والأمراض من غير عمل منهم ولا ذنب، قياس مع الفارق، لأن هذا يتعلق بحالهم في الدنيا، والدنيا دار ابتلاء وامتحان فيبتلي الله عزوجل هؤلاء الأطفال امتحاناً لذويهم وأهلهم، وقد يكون في بعضه عقوبة لأهليهم، كما أن في هذه الأسقام والأمراض إنفاذاً لمشيئة الله في وقوع الآجال بالموت بهذه العلل، كما أن كثيراً من هذه الأمراض له أسباب معروفة وفي كثير من الأحيان يكون سببها فعل بني آدم أنفسهم كتناول طعام مضر أو الإهمال ونحو ذلك.
وقول المصنف: "ولكنه محكم في مماليكه وعبيده لا يسأل عما يفعل وهم يسألون"، علة قوله السابق، "وقوله محكم في مماليكه. الخ" قول حق، إلا أن المصنف وأصحاب القول الثالث لا يثبتون له الحكمة التامة في أفعاله كلها بناءً على هذا القول، أما كثير من أهل السنة فمع إثبات هذا يثبتون له جل وعلا الحكمة البالغة في كل فعل فهو لا يفعل جل وعلا ما يخالف الحكمة والعدل علمه من علمه وجهله من جهله، وكل أمر نص الله عزوجل على أنه لا يفعله لا يعنى ذلك أنه غير قادر عليه، بل له جل وعلا القدرة المطلقة وإنما لا يفعله لأنه ينافي الحكمة والعدل، والله أعلم. انظر: الفتاوى 8/505، جامع العلوم والحكم ص 211، شرح العقيدة الطحاوية ص 507-511.