كتاب الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (اسم الجزء: 2)
92- فصل
استدل القدري بدامغه بأخبار أضافها إلى الفقهاء المشهورين من التابعين وغيرهم، مثل عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، والشعبي1 ومالك بن دينار2، وقتادة3 وغيرهم، ممن لا ينكر فضلهم أحد وهم برءاء مما أضافه إليهم. ولو طولب بسند خبر من ذلك لم يقدر عليه إلا بالتخرص.
__________
1 هو عامر بن شراحيل بن عبد الله ذي كبار قيل: من أقيال اليمن الإمام علامة العصر أبو عمرو الهمداني ثم الشعبي، ولد لست سنوات من خلافة عمر - رضي الله عنه - توفي سنة (105?) . انظر: سير أعلام النبلاء 4/294.
2 مالك بن دينار أبو يحيى البصري الزاهد معدود في ثقات التابعين، توفي سنة (130?) وقيل غيرها. سير أعلام النبلاء 5/362، التهذيب 10/14.
3 قتادة بن دعامة السدوسي أبو الخطاب البصري الضرير، كان حافظ العصر وقدوة المفسرين والمحدثين ولد سنة (60?) وتوفي سنة (118?) وقد ذكر عنه الأئمة أنه يقول بالقدر واتهموه به. لهذا روى اللالكائي عن طاووس أنه كان يفر من قتادة إذا أتاه وقال وكيع: كان سعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي وغيرهما يقولون قال قتادة: "كل شيء بقدر إلا المعاصي". سير أعلام النبلاء 5/277، ذكرها اللالكائي في السنة 4/699.
ولكن روى اللالكائي بسنده عن الحكم بن عمر الرعيني قال: أرسلني خالد بن عبد الله إلى قتادة وهو بالجيزة أسأله عن مسائل، فكان فيما سألت قلت: أخبرني عن قول الله {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} وهم مشركو العرب قال: "لا، ولكنهم الزنادقة الذين جعلوا لله شركاء في خلقه فقالوا إن الله يخلق الخير وإن الشيطان يخلق الشر وليس لله على الشيطان قدرة". السنة للالكائي 4/699.
والحكم بن عمر قال عنه الذهبي في الميزان 1/578، قال يحيى: "ليس بشيء لا يكتب حديثه"، وقال النسائي: "ضعبف". فهذه الرواية لا تقوى على معارضة ما ذكره الأئمة وأثبتوه من أن قتادة اتهم بالقدر.
وعندنا ولله الحمد لا يعرف الحق بالرجال وإنما يعرف الرجال بالحق، فمن قال بالحق قبل ومن خالفه رد عليه، وقتادة من الأئمة الكبار حتى قال فيه الإمام أحمد: "كان قتادة عالماً بالتفسير وباختلاف العلماء" ثم وصفه بالحفظ وأطنب في ذكره وقال: "قلما تجد من تقدمه". وقال سفيان: "وهل كان في الدنيا مثل قتادة" فمع قوله بالقدر لم يتركه الأئمة لجلالته واجتهاده، قال الذهبي: "ذكر قوله في القدر، ومع هذا فما توقف أحد في صدقه وعدالته وحفظه ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه وبذل وسعه، والله حكم عدل لطيف بعباده ولا يسأل عما يفعل، ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه وعلم تحريه للحق واتسع علمه وظهر ذكاؤه وعرف صلاحه وورعه واتباعه يغفر له زَلَلُه ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه ونرجو له التوبة من ذلك"، انتهى - وهذا كلام عدل فرحم الله أئمة الإسلام - انظر: سير أعلام النبلاء 5/270-277، التهذيب 8/351-356.