كتاب الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (اسم الجزء: 2)

وقد ذكر الله الإنسان في القرآن في ثماني عشر آية وإجرائه خلقه، وذكر القرآن في أربع وخمسين آية ولم يذكر في شيء أنه خلقه.
ومن الدليل لنا قوله تعالى: {قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} 1 وروى المفسرون عن ابن عباس أنه قال: "تأويله غير مخلوق"2.
ومن الدليل على ما ذكرناه قوله تعالى: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي} 3 وما كان من الله فهو غير مخلوق4. ومن الدليل على ما قلناه قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} 5.
فأخبر الله سبحانه أن كلماته لا تنفذ والمخلوقات تنفذ وتفنى، وتصديق ذلك ما روى في الصحاح أن الله يقول حين يفنى الخلق يقول الله تعالى: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} فيجيب الله بنفسه {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} 6.
__________
1 الزمر آية (28) .
2 أخرجه عنه اللالكائي في السنة 2/217، والآجري في الشريعة ص77، والبيهقي في الأسماء والصفات ص311 وهو من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وفيه علتان:
العلة الأولى: عبد الله بن صالح كاتب الليث، قال عنه ابن حجر: صدوق كثير الخطأ ثبت في كتابه وكانت فيه غفلة. التقريب ص177.
والعلة الثانية الانقطاع بين علي بن أبي طلحة وابن عباس فإنه لم يلقه كما قال ذلك ابن حجر في التهذيب 7/339. ورواه اللالكائي من طريق مكحول عن ابن عباس وفي إسناده الحسين بن محمد بن عبادة الواسطي، ومسلم بن عيسى الأحمر، ولم أقف لهما على ترجمة.
وهذه الرواية عن ابن عباس مما يستنكر لأن الكلام في القرآن لم يقع في الصدر الأول ولا الثاني وإنما وقع الكلام فيه بعد ظهور المعتزلة قال ابن عدي - رحمه الله - بعد أن ذكر رواية عن أنس في القرآن غير مخلوق "وهذا الحديث وإن كان موقوفاً على أنس فهو منكر لأنه لا يعرف للصحابة الخوض في القرآن" الكامل 1/409.
3 السجدة آية (13) .
4 ذكر هذا الاستدلال اللالكائي في السنة 2/219 وروي عن وكيع بن الجراح أنه قال: من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أشياء من الله مخلوق، فقلت: يا أبا سفيان من أين قلت هذا؟ قال: لأن الله تبارك وتعالى يقول: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي} ولا يكون من الله شيء مخلوق.
5 لقمان آية (27) .
6 غافر آية (16) .
وهذا الاستدلال أورد اللالكائي في السنة 2/220 مثله إلا أنه لم يقل (ما روى في الصحاح) . ولعل المصنف - رحمه الله - يقصد بذلك حديث الصور المشهور وفيه بعد ذكر إمامة الخلق "فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهار الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، كان آخراً كما كان أولاً طوى السموات والأرض كطي السجل للكتاب ثم دحاه ثم لفها ثلاث مرات، وقال: أنا الجبار ثلاثاً ثم هتف بصوته: لمن الملك اليوم، ثلاث مرات فلا يجيبه أحد، فيقول لنفسه: لله الواحد القهار"الحديث. وهذا الحديث روي عن أبي هريرة ومداره على إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة، أخرجه عنه اللالكائي في السنة 2/222، وابن جرير في تفسيره 24/30، وذكره ابن كثير بطوله في النهاية 1/172- 179، وإسماعيل بن رافع ضعفه الإمام أحمد ويحيى بن معين وجماعة، وقال الدرقطني: "متروك الحديث". انظر: الميزان 1/227، وقد ضعف الحديث البيهقي وعبد الحق كما ذكر ذلك ابن حجر في الفتح 11/368، وروى ابن عدي عن البخاري أنه قال: في حديث الصور: "مر سل لا يصح"، وقال ابن عدي: "ولإسماعيل بن رافع أحاديث غير ما ذكرته، وأحاديثه كلها مما فيه نظر إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء". الكامل 1/277.

الصفحة 547