كتاب الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (اسم الجزء: 2)

فوقها فهو تحت التحت وأنه فوق الفوق والأشياء تحته وهذا متنقاض، فإن احتجوا بقوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} 1، وبقوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} 2.
فالجواب: أن المراد بالآية {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ} أي من حديث بين ثلاثة إلا هو رابعهم بالإحاطة والعلم لا في العدد لأنه واحد لا من عدد ولا واحد في معناه3، وكذلك المعنى في قوله تعالى: {وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سَادِسُهُمْ} . إلى قوله: {إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} ، يريد بالإحاطة والعلم لا بالذات والحلول.
يدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ} الآية.. إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فبدأ الآية بالعلم وختمها بالعلم، فدل على أن المراد بذلك كله الإخبار عن علمه وإحاطته بهم في جميع هذه الحالات4.
فإن احتجوا بقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأرْضِ إِلَهٌ} 5 فأخبر أنه إله بكل واحد منهما.
__________
1 المجادلة آية (7) .
2 الحديد آية (4) ، وقد ذكر احتجاج الجهمية القائلين أنه بكل مكان بهذه الآية الإمام أحمد في رده على الجهمية. انظر: ص 95 ضمن عقائد السلف، وذكره الدارمي عنهم في رده على بشر المريسي ص 79.
3 مراده بقوله: (لأنه واحد لا من عدد) أي ليس واحد من عدد معدود كالواحد من الاثنين أو الثاني من ثلاثة، وهكذا. وقوله: (ولا واحد في معناه) أي لا يشركه جل وعلا في صفة الوحدانية أحد.
4 ذكر هذا الرد الإمام أحمد في الرد على الجهمية ص 95، وكذلك الدارمي في الرد على بشر المريسي ص80. وروى البيهقي بإسناده في الأسماء والصفات ص 541 إلى سفيان الثوري والضحاك ومقاتل بن حيان أنهم قالوا في قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ} أي بعلمه.
5 الزخرف آية (84) .

الصفحة 617