كتاب الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (اسم الجزء: 2)

بلا كيفية، ولم يخلق العرش لحاجة، بل كما حكي عن ذي النون المصري1 لما قيل له: ما أراد الله بخلق العرش؟ فقال: أراد الله أن لا تتيه قلوب العارفين ولم يخلقه لحاجته إليه، فإذا قيل للعبد المؤمن أين الله؟ قال: على العرش2، وقد صرح القاضي أبو بكر الباقلاني الأشعري 3 في التمهيد بالقول في هذه المسألة كما قال أصحاب الحديث4.
وأما الغزالي فخالفهم في الاقتصاد وقال: "أما رفع الأيدي في الدعاء إلى السماء فلأنها قبلة الدعاء كما أن البيت قبلة الصلاة"5.
__________
1 هو أبو الفيض ثوبان بن إبراهيم المصري أحد المشايخ المشهورين كان حكيماً فصيحاً، توفي سنة (245?) . انظر: ترجمته في البداية والنهاية 10/393، وفي حلية الأولياء 9/231.
2 لم أقف على هذه الحكاية عنه.
3 هو محمد بن الطيب الباقلاني رأس المتكلمين على مذهب أبي الحسن الأشعري قال ابن كثير: كان غاية في الذكاء والفطنة. توفي سنة (403?) . البداية والنهاية 11/391.
4 صرح الباقلاني في التمهيد ص 301 بأن الله على العرش ونفى الملاصقة والمجاورة وما ذكره في كتابه الإبانة أكثر تفصيلاً وتوضيحاً، وقد نقله عنه شيخ الإسلام والذهبي وغيرهم. ومما نقله الذهبي عن الإبانة للباقلاني قوله: "فإن قيل فهل تقولون إنه في كل مكان: قيل معاذ لله بل هو مستو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وقال: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} وقال: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} وقال: "ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه وفي الحشوش، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يمن ويصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض وإلى خلفنا ويميننا وشمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله" انتهى.
وقد نقل عنه ابن القيم أيضاً هذا وزيادة ذكر فيها رده على القائلين بأن معنى استوى استولى وبين فساد هذا القول. وقد صرح بإثبات العلو من المتكلمين متقدموهم كابن كلاب وأبي الحسن الأشعري وأبي الحسن علي بن مهدي الطبري تلميذ الأشعري وابن فورك.
وقد نقل ذلك عنهم كل من شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذيه الذهبي وابن القيم، لتقزم بذلك الحجة على منأخريهم الذين خالفوا نهج أئمتهم كالغزالي والجويني والآمدي وغيرهم الذين أخذوا قول الجهمية والمعتزلة في هذا الباب. انظر: الفتوى الحموية الكبرى ص 58، العلو للذهبي ص 168، 173- 174، اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ص 111-121.
5 الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ص32، وانظر: أيضاً قواعد العقائد للغزالي أيضاً ص 165.

الصفحة 622