كتاب الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (اسم الجزء: 3)
109 - فصل
وعند أهل الحديث أن العذاب في القبرحق، وأن مسألة منكر ونكير في القبرحق على ما جاء في الأخبار. وأنكر المعتزلة وأهل الزيغ ذلك كله1. ودليلنا قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ} 2، قال أهل التفسير: تثبيتهم بالقول الثابت في الحياة الدنيا هو قول لا إله إلا الله وفي الآخره عند المسألة في القبر3.
وروى البراء بن عازب قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولمَّا يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير، وبيده عود ينكت به الرض، ثم رفع رأسه وقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثاً ثم قال: إن المؤمن إذا
__________
1 عذاب القبر حق ثابت وبهذا قال أهل السنة وأكثر الفرق الإسلامية، ولم يخالف في ذلك إلا ما يحكى عن ضرار بن عمرو كان من المعتزلة ثم ترك قولهم، أما المعتزلة فإنهم على إثباته كما حكى ذلك عن نفسه وأسلافه القاضي عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة ص 730، وقال ابن حزم: "ذهب ضرار بن عمرو الغطفاني أحد شيوخ المعتزلة إلى إنكار عذاب القبر وهو قول من لقينا من الخوارج، وذهب أهل السنة وبشر بن المعتزلة والجبائي وسائر المعتزلة إلى القول به، وبه نقول لصحة الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك". الفصل في الملل والنحل والأهواء 4/66، ونسب أبو الحسن الأشعري في المقالات 2/116 نفي عذاب القبر إلى المعتزلة والخوارج، كما نسبه البغدادي في أصول الدين ص 245 إلى الجهمية والضرارية، ونسب الملطي في التنبيه والرد على أهل الأهواء ص 124 إلى جهم بن صفوان إنكار عذاب القبر ومنكر ونكير. والأرجح بالنسبة للمعتزلة حكاية القاضي عبد الجبار عن نفسه وأسلافه إذ هو أخبر بذلك وأعرف، كما أنه قد بين أن ابن الراوندي هو الذي كان يشنع عليهم إنكار عذاب القبر وعدم الإقرار به، كما أنه أورد الأدلة على إثباته من القرآن والسنة، والله أعلم.
2 إبراهيم آية (27) .
3 أسند هذا القول ابن جرير إلى طاووس وقتادة وهو الذي رجحه، وذكر قولا آخر وهو أن المراد بالحياة الدنيا المسألة في القبر وفي الآخرة المراد بها عند التثبت الحساب، وعزا هذا القول إلى البراء ابن عازب - رضي الله عنه -. تفسير ابن جرير 23/213. وانظر: تفسير القرطبي 9/363.