كتاب الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (اسم الجزء: 3)
وأجل المعارف المعرفة بالله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المعرفة بالله رأس المعرفة" 1.
وروي "أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله علمني من غرائب العلم فقال صلى الله عليه وسلم: ما صنعت في رأس العلم؟ فقال: وما رأس العلم؟ قال صلى الله عليه وسلم: هل عرفت الرب سبحانه؟ قال: نعم، قال: وما صنعت في حقه؟ قال: ما شاء الله، فقال صلى الله عليه وسلم: هل عرفت الموت؟ قال: نعم، قال: فما أعددت له؟ قال: ما شاء الله، فقال صلى الله عليه وسلم: اذهب فاحكم ما هنالك ثم تعال تعلم من غرائب العلم"2.
وما أثنى أحد من الصحابة على نفسه بمثل ما أثنى حارثة حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمنا حقاً فقال صلى الله عليه وسلم: "إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك، فقال: استوى عندي من الدنيا حجرها وذهبها، وكأني بعرش ربي بارزاً، وأهل الجنة يتنعمون فيها، وأهل النار في النار يتضاغون3، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: عرفت فالزم "4.
ومما يدل على أن العلم الحاصل بالمشاهدة أزيد من العلم الحاصل عن الاستدلال قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس الخبر كالمشاهدة أخي موسى أخبره الله بما كان من قومه من بعده من عبادة العجل، ومع ذلك أخذ الألواح فحين شاهد ما صاروا إليه ألقى الألواح"5.
__________
1 لم أقف على من خرجه.
2 أخرجه ابن عبد البر بسنده في جامع بيان العلم وفضله 2/5 عن عبد الله بن المسور مرفوعاً، والحديث مرسل وهو موضوع أيضاً، فإن عبد الله بن المسور بن عون بن جعفر بن أبي طالب قال عنه الإمام أحمد وغيره: أحاديثه موضوعة، وقال الدارقطني والنسائي: "متروك". انظر: ميزان الاعتدال 2/504.
3 في النسختين (يتضرعون) وما أثبت هو الأصوب كما عند الطبراني، ويتضاغون أي يتصايحون ويضجون من ضغا يضغو ضغواً وضغاء إذا صاح وضجّ. انظر: النهاية لابن الأثير 3/92.
4 تقدم تخريجه في ص (615) .
5 أخرجه حم. 4/147 بتحقيق أحمد شاكر وقال في التعليق: "إسناده صحيح"، والحاكم في المستدرك 2/321، وقال: "حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وأخرجه البزار 1/111، بنحوه، والطبراني في الكبير 12/54 وقال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح". مجمع الزوائد 1/153 كلهم من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -.