كتاب الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (اسم الجزء: 3)
وقد اختلف أهل الزيغ في ذلك فمنهم من قال: إن معرفة الخلق لله حصلت ضرورة1 ومنهم من قال: إن معرفة الخلق لله طباع2، ومنهم من قال: إن معرفة الله تقع بعد البلوغ من غير تطويل بفعل الله فيه3، ومنهم من قال: إن المعرفة في ذلك ليس باضطرار ولا اختيار ولا كسب وإنما هي فعل لا فاعل لها4، وجميع هؤلاء يقولون: إن معرفة الله لا يصح الأمر بها، وأحالوا الأمر بها جملة، وهذه الفرق كلها فرق المعتزلة وهم موافقون للبراهمة في قولهم إنهم يستغنون بما في عقولهم عن الرسل وإرشادهم5، ولهذا6 أبطلت المعتزلة والقدرية كثيراً من ظاهر7 القرآن والسنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم لما خالفت عقولهم الفاسدة، وأولوا ذلك على خلاف مقتضاها.
والدليل على صحة ما قلنا قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} 8، ولم يخل العقلاء من رسل يدعونهم إليه ويدلونهم بآيات
__________
1عزا هذا القول الإسفرائيني إلى أبي الهذيل العلاف، وقال شيخ الإسلام عن هذه المعرفة: "إن جمهور طوائف المسلمين قالوا إنها يمكن أن تقع ضرورة ويمكن أن تقع بالنظر، بل قال كثير من هؤلاء إنها تقع بهذا تارة وبهذا تارة". انظر: الفرق بين الفرق ص 129، درء تعارض العقل والنقل 7/354.
2 قال بهذا من المعتزلة أيضاً الجاحظ وأبو علي الأسواري. انظر: المغني لعبد الجبار 12/316، شرح الأصول الخمسة ص 52.
3 لعل المراد بهذا أن معرفة الله وقعت بالإلهام وهو قول ذكره عبد الجبار المعتزلي في المغني 12/230، وعزاه شيخ الإسلام إلى كثير من أهل الكلام والصوفية والشيعة وصالح قبة وفضل الرقاشي وهما من المعتزلة. انظر: درء تعارض العقل والنقل 7/353.
4لم يتبين لي قائل هذا مع أن من المعتزلة كالقاضي عبد الجبار من صرح بأن معرفة الله مكتسبة والقائلون منهم بأنها ضرورية يوجبون العقاب ولو لم يبعث الله الرسل. انظر: شرح الأصول الخمسة ص 52، الملل والنحل للشهرستاني 1/52 - 70.
5 تقدم الكلام على هذا - ص 117 أول الكتاب.
6 في - ح - (ولهذا المعنى) .
7 في - ح - (ظوهر) .
8 الإسراء آية (15) .