كتاب الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (اسم الجزء: 3)
فحفظ عمر - رضي الله عنه - وصية أبي بكر في نفسه ورعيته، فكان في الدنيا زاهدا، وفي الآخرة راغبا.
فروي أنه أتي له بلبن فشربه فقيل له: إنه من إبل الصدقة فتقيأه، وذلك أنه كره بقاءه في جوفه1.
وروي أنه أتى إليه بمسك من بيت المال فقسم بحضرته فسد على أنفه، فقيل له: يا أمير المؤمنين إنما يتجاوز إليك ريحه فقال: وهل يراد من المسك إلا رائحته".2
وهذا غاية في الورع.
وروي أنه قال: "لو شئت أن أدعو بصلاء3 وصناب4 وأفلاذ5 وأسنمة6 وأكباد لو شئت أن يدهمق7 لي لفعلت، ولكن الله عاب قوما ذلك فقال: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} 8.
__________
1لم أقف على من ذكره على هذا النحو، وإنما روي ابن شبة في تاريخ المدينة 2/703 بسنده عن ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة عن عبد الرحمن بن نجيح قال: "نزلت على عمر - رضي الله عنه -، فكانت له ناقة يحلبها فانطلق غلامه ذات يوم فسقاه لبنا أنكره فقال: ويحك من أين هذا اللبن لك؟ قال: يا أمير المؤمنين إن الناقة انفلت عليها ولدها فشربها فحلبت لك ناقة من مال الله، فقال: ويحك تسقيني نارا، واستحل ذلك اللبن من بعض الناس" وذكر ابن الجوزي في تاريخ عمر ص 184 أن الذي أفتاه بحله علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.
2 لم أقف على من ذكره، وقد روى ابن شبة في تاريخ المدينة 2/703 أن مسكا وعنبرا قدم عليه فقالت زوجته عاتكه بنت زيد: "هلم أزن لك فإني جيدة الوزن"، قال: "لا، إني أكره أن تصيب يدك فتقولين هكذا على صدرك بما أصابت يداك فضلاً على المسلمين".
3 الصلاء: الشواء وسمي بذلك لأنه يصلى بالنار.
4 الصناب: هو الخردل بالزبيب وهو طعام يؤتدم به.
5 الأفلاذ: واحدتها فلذ وهي قطعة من الكبد.
6 أسنمة: جمع سنام.
7 يدهمق: من دهمق الطعام أي لينه وطيبه ورققه. انظر: في هذه المعاني غريب الحديث للهروي3/264، والمعجم الوسيط ص 524.
8 الأحقاف آية (20) وأخرج هذا الأثر أبو عبيد الهروي عن الحسن البصري عن عمر - رضي الله عنه -، في غريب الحديث 3/263، وأخرج نحوه أيضا عن الحسن ابن سعد في الطبقات 3/279، وعمر بن شبة في تاريخ المدينة 2/696، وهو مرسل.