كتاب الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية (اسم الجزء: 2)

فمعنى قوله: ... هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا (93) «1» أي: لا آتي بالمعجز إلا أن يأذن فيه ربي «2»، وأنه لم يأذن له في ذلك الوقت، للوجوه التي بيناها قبل.
وهذا أيضا معنى قوله تعالى: وأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ... (109) «3» أي أن إظهارها متوقف على إرادته.
وأما قوله: وما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ ... (59) «4» فليس إخبار بنفي الإرسال في عموم الأوقات، حتى انقضى عهد النبوة، بل ينفيه في وقت خاص وهو في أول الأمر ثم أرسل بها بعد ذلك «5» بدليل قوله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) إلى قوله: ولَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (5) «6».
__________
(1) سورة الإسراء، آية: 93.
(2) قال ابن جرير الطبري في تفسيره (15/ 164):" يقول: هل أنا إلا عبد من عبيده من بني آدم فكيف أقدر أن أفعل ما سألتموني من هذه الأمور، وإنما يقدر عليها خالقي وخالقكم، وإنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به إليكم، والذي سألتموني أن أفعله بيد الله الذي أنا وأنتم عبيد له، لا يقدر على ذلك غيره: اهـ. وقال القرطبي في تفسيره أيضا (10/ 331):" أتبع ما يوحى إليّ من ربي، ويفعل الله ما يشاء من هذه الأشياء التي ليست في قدرة البشر فهل سمعتم أحدا من البشر أتى بهذه الآيات" اهـ.
(3) سورة الأنعام، آية: 109.
(4) سورة الإسراء، آية: 59.
(5) قال المفسرون: وما منعنا من إرسال الآيات التي سألوها إلا تكذيب الأولين فإن أرسلناها وكذب بها هؤلاء عوجلوا ولم يمهلوا كما هو سنة الله في عباده (انظر تفسير الطبري 15/ 107، وتفسير الشوكاني 3/ 237).
(6) الآيات الخمس الأولى من سورة القمر.

الصفحة 554