كتاب المسند المصنف المعلل (اسم الجزء: 39)

ثم (¬١) لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي فترة، حتى حزن رسول الله صَلى الله عَليه وسَلم فيما بلغنا، حزنا غدا منه مرارا، كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه، تبدى له جبريل، عليه السلام، فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقا، فيسكن ذلك جاشه، وتقر نفسه، عليه الصلاة والسلام، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي، غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل، تبدى له جبريل، عليه السلام، فقال له مثل ذلك» (¬٢).
- وفي رواية: «أول ما بدئ به رسول الله صَلى الله عَليه وسَلم من الوحي، الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه، وهو التعبد، الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني، فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم} فرجع بها رسول الله صَلى الله عَليه وسَلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد، رضي الله عنها، فقال: زملوني، زملوني، فزملوه، حتى ذهب عنه الروع،

⦗٢٥٩⦘
فقال لخديجة، وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله، ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، ابن عم خديجة وكان امرءا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي،
---------------
(¬١) من هنا إلى آخر الرواية كلامٌ منقطعٌ من قول الزُّهْري الذي صرح بذلك فقال: «فيما بلغنا»، قال ابن حَجَر: القائل هو الزُّهْري، ومعنى الكلام أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله صَلى الله عَليه وسَلم في هذه القصة، وهو من بلاغات الزُّهْري، وليس مَوصولًا. «فتح الباري» ١٢/ ٣٥٩.
(¬٢) اللفظ لأحمد (٢٦٤٨٦).

الصفحة 258