كتاب فصول من تاريخ المدينة المنورة

204…
جبل الرماة (عينين) (1).
الشورى، وتتبع جيش قريش
كتب العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم لرسول الله عن خبر جيش قريش وقوته وحركته فأخذ عليه الصلاة والسلام يتتبع تحركاته، ولما وصل الجيش لذي الحليفة بعث أنا ومؤنساً ابني فضالة الظفرين، فأتيا له بخبر قريش، ثم أرسل الحباب بن المنذر بن الجموح، فدخل في الجيش وحزره وعاد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنبائه، فتجمعت لدى رسول الله أخبار جيش المشركين وقد استشار عليه الصلاة والسلام أصحابه في الأمر، وكان رأي النبي الكريم التحصن في المدينة فأيد هذا الرأي عدد من الصحابة ورأى الأكثرون الخروج للمشركين فوافق على رأي الأكثرية ولبس لامة حربه وخرج للمسلمين فأحس من رأى الخروج أنهم استكرهوا رسول الله عليه وندموا وقالوا له ما كان لنا أن نخالفك، وفوضوا له الأمر، فلم يتراجع عليه الصلاة والسلام، وقال (لا ينبغي لنبي لبس لامته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه).
وكان رأى النبي التحصن في المدينة أصوب ممن رأى الخروج، ذلك أن قريشاً لا يمكنها المكث طويلاً حول المدينة، وإن طال بهم المكث دب الخلاف والضعف فيهم، فإذا اختلفوا وضعفوا تمكن المسلمون من التغلب عليهم، وإن غامروا بالدخول للمدينة فإن المسلمين يقاتلون في بلد يعرفونه شبراً شبراً، ومتراً متراً، وداراً داراً ويجهله العدو كلياً، وعندئذ يشترك المسلمون رجالاً ونساءً وصبياناً في القتال، وحتى الحجارة عندئذ تكون من أمضى الأسلحة، عندما تهوى على العدو من أسطحة المنازل ونوافذها، ووقتئذ تجعل المدينة قبراً للعدو والعدوان.
__________
(1) جاء في خلاصة الوفاء أن عينين جبل على شفير وادي قناة قبلي مشهد حمزة رضي الله عنه، كان عليه الرماة يوم أحد وفي ركنه الشرقي مسجد نبوي وكانت قنطرة العين التي هناك عنده، ولعل عين الشهداء كانت بقربه فسمي عينان: واسم جبل الرماة طغى على اسم جبل عينين، عند أهل المدينة بعد معركة أحد، وهو جبل في شكل مستدير تقريباً، ولونه يميل إلى الحمر. ويبعد عن أحد بنحو كيلو متر واحد ونصف ولا يوجد جبل غيره في جنوب جبل أحد.
وأقول في الطبعة الثانية: أن الجبل الآن مغطى بالبيوت والمساكن التي بناها أهل المدينة من زمن حكومة الأتراك العثمانيين وهي مملوكة لأهل المدينة: ويا حبذا لو عوض أهلها وأزيلت كلياً ليظهر الجبل كما كان في عهد رسول الله ويراه الناس ليعتبروا.

الصفحة 204