كتاب فصول من تاريخ المدينة المنورة

221…
ذباب (1) وكان الأنصار يحفرون من ذباب إلى جبل بني عبيد وكان سائر المدينة مشبكا بالبنيان كالحصن، وباشر عليه الصلاة والسلام في حفر الخندق مع أصحابه بنفسه الكريمة حتى وارى التراب جلدة بطنه وقد اعترضت المسلمين في الحفر صخرة صلبة عجزوا عن تفتيتها وكسرها فطلب من سلمان الفارسي أن يرقى إلى رسول الله ويخبره خبر هذه الصخرة فإما أن يعدل عنها أو يأمر فيها بأمره لأنهم لا يحبون تجاوز خطه للخندق فرقى سلمان لرسول الله وهو ضارب عليه قبة تركية على ذياب فهبط مع سلمان للخندق فأخذ المعول وضر بها ثلاث ضربات فصدعها وقد برق في كل ضربة برق أضاءت له فيها قصور الحيرة، ومدائن كسرى، والقصور الحمر في الروم وقصور صنعاء فأخبر عليه الصلاة والسلام صحابته بذلك وأن جبريل أخبره أن أمته ظاهره عليهم، وقد تم حفر الخندق في مدة ستة أيام وقال بعضهم في أكثر من هذه المدة والشيء الثابت أنه حفر قبل وصول جيش الأحزاب للمدينة.
طول الخندق، وعرضه، وعمقه
لم أجد فيما لدى من مراجع طولا ولا عرضا ولا عمقا للخندق، ولكن الاستاذ محمد أحمد باشميل قدر - في مؤلفه غزوة الأحزاب الطبعة الأولى سنة 1385هـ - 1965 - قدر طول الخندق بـ 5000 خمسة آلاف ذراع وقال أن عمقه لا يقل عن سبعة أذرع وعرضه لا يقل عن تسعة أذرع ... والمفروض أن الخندق يحفر بحيث يمنع المشركين فرساناً ومشاة من اجتيازه والحصول على معركة غير متكافئة مع المسلمين وجها لوجه.
جيش المسلمين ومعسكرهم
رجحت كتب السيرة النبوية أن عدد جيش المسلمين كان (3000) ثلاثة آلاف مقاتل وقال بعضهم أنه (900) مقاتل وقال البعض أكثر من ذلك وعسكر الجيش في شمال جبل سلع جاعلين جبل سلع خلف ظهورهم والخندق بينهم وبين عدوهم.
__________
(1) ذياب كغراب لغتان: الجبل الذي عليه مسجد الراية وكانت قبة رسول الله مضروبة عليه عندما صعد سلمان الفارسي إليه، لما واجهتهم الصخرة أثناء الحفر. وراتج بالمثناة الفوقية أطم سميت به الناحية كما قال ابن زبالة وغيره وهو في شرقي ذياب جانحا إلى الشام وبه منازل حلفاء بني عبد الأشهل وبني أخيهم زعوراً. ولذا خندقت بنو عبد الأشهل منه إلى طرف حرتهم وقال المطري: الجبل الذي جنب جبل بني عبيد يقال له راتج. قال السمهودي: فإذا صح فليس هو المراد.

الصفحة 221