كتاب فصول من تاريخ المدينة المنورة

297…
هذه العيون لا نملك احياءها
أرجو أن أكون قد وفقت- فيما كتبته عن العيون وفي هذا البيان- للتعريف بالعيون واعطاء فكرة عن هذا المرفق الهام الذي احتل مكان الصدارة في العمل الزراعي بالمدينة حينا من الدهر حتى صار مضرب الأمثال، والذي نحس- بكثير من الحسرة والمرارة-باندثاره دون أن نملك، أو يملك أي إنسان المحافظة عليه وبعثه واحياءه من جديد.
فمن يملك رفع مستوى الماء- الذي غار في أعماق الأرض- ليتسنى للماء الجريان في الدبول ليفيض في أراضي العيون؟
إننا نستطيع أن نحفر الآبار الأرتوازية ونضخ الماء الحلو ونسقي الزرع على هذا الماء ... نستطيع هذا .. ولكن في غير أرض العيون الواسعة الخصبة لأن الماء في أرض العيون- كما جرب- مالح ومر ولم يختبر الحفر الارتوازي فيها لأعماق بعيدة ... لم يختبر ماؤها الجوفي البعيد المدى في جوف الأرض لاستغلال أرض العيون استغلالاً كاملاً إذا أمكن الحصول على ماء حلو.
وأول ما بدأ الخراب في العيون بشكل واسع كان في سنة 1355هـ، فقد سال وادي العقيق في تلك السنة سيلاً قوياً عنيفاً ودخل أكثر منابع العيون ودبولها (قنواتها) فملأها دماراً وتعب أصحاب العيون في تنظيف وتبريح الدمار من الدبول والمنابع وتحتاج مع التعب إلى تكاليف ضخمة ربما تقرب من تكاليف الانشاء ثم ازداد نزح المياه من الآبار بالطلمبات الميكانيكية فأصيبت منابع العيون بكسل بل بضعف ونضوب وتوقفت بل ومات اكثرها وآخر العيون التي ماتت كانت عين السلامة (المفتية) سنة 1385هـ بعد أن انتشرت المكائن والطلمبات الزراعية في طريق المطار على وادي قناة حيث توجد الكثير من المنابع هناك.
والقادرون من الفلاحين المالكين الذين في العيون والذين وجدوا ماءً متوسطاً بين الملوحة والعذوبة حفروا آباراً للمحافظة ولو على بعض أموالهم وإلى حد ما خوف ضياعها كلياً. والحياة التي كانت تنبض في قرية العيون بقوة ونشاط، والأموال التي كانت تتجمع لأهلها منها .. من تمور النخيل ومحاصيل الحبوب والفواكه والخضروات كل ذلك همد وسكن.
كأن لم يكن بين الجحون إلى الصفا: ... انيس ولم يسمر بمكة سامر…

الصفحة 297